وإن قلت: لهنَّ نَوْحٌ نَوْحَ الحَمامِ، فالنصبُ لأن الهاءَ هى الفاعلُة. يدلّك على"ذلك"أنّ الرفَعَ في هذا وفى عليه أحسنُ، لأنَّك إذا قلت: هذا أو عليه، فأنتَ لا تريد أن تقول مررتُ بهذه الأسماء تَفعل فِعلًا، ولكنك جعلت"عليه"موضعا للنَّوْح و"هذا"مبنى عليه نفسِه. ولو نصبتَ كَان وجهًا؛ لأنَّه إذا قال: هذا صوتٌ أو هذا نَوْحٌ أو عليه نوحٌ، فقد عُلم أنّ مع النَّوح والصوتِ فاعلْينِ، فحمله على المعنى، كما قال:
ليُبْكَ يَزيدُ ضارعٌ لخُصومةٍ ... ومُخْتَبِطٌ ممّا تُطِيحُ الطَّوائحُ
وذلك قولك: له يدُ الثورِ، وله رأْسٌ رأسُ الحمارِ؛ لأنَّ هذا اسم ولا يتوهم على الرَّجُلِ أنّه يَصنع يدًا ولا رِجْلًا، وليس بِفعل.
وذلك قولك: صَوْتُه صوتُ حمارٍ، وتلويحُه تضميرُك السابقَ، وَوَجْدى بها وَجْدُ الثَّكْلَى؛ لأنَّ هذا ابتداءٌ، فالذى يُبْنَى على الابتداءِ بمنزلة الابتداءِ. ألا ترى أنَّك تقول: زيدٌ أخوك، فارتفاعُه كارتفاع زيد أبدا، فلمَّا ابتدأَه وكان محتاجًا إلى ما بعده لم يُجْعَلْ بدلًا من اللفظ بيُصَوَّتُ، وصار كالأسماء. قال الشاعر"وهو مزاحِمٌ العُقيلىّ":