ليس إلا ضعفًا وإنهاكًا عقليًا وجسمانيًا أدى إلى اضطراب في الحواس، كما يحدث لكثير من الناس. فأنصت إلى ما أقول، وعلى ثغره ابتسامة حزينة كأنه لا يعتقد ما أقول، ولكنه شكرني، ثم لم ألبث أن ودعته ورحلت، وقابلت الأستاذ في طريقي، فأوضحت له رأيي عن حالة ولده فقال:
إذن فهو يحتاج لهواء منعش، وجو رائق، ورياضة جميلة!
ولم يكن الأستاذ بالرجل السئ البغيض، ولكن كان كثير الألم والإشفاق لما يعتري ولده.
وغادرت المدينة في نفس ذلك اليوم، وكاد داعي النسيان أن يأتي على هذه الذكرى فيطويها ويمحوها، فقد انهمكت في تمريضي للجرحى، ومعالجتهم في مستشفيات القتال. . . لولا أن قدر لي أن ألقى رجلًا عسكريًا، كان على صلة صداقة بالأستاذ فأخبرني أن (روبرت) أصيب بلوثة وخبال في عقله، وفي إحدى النوبات التي كانت كثيرًا ما تعتريه، فر من المنزل، ولم يعثر له على أثر، وكان الخوف من أن يكون النهر قد طواه في أعماقه.
فاهتزت نفسي في فرق وروع لهذه الفاجعة، ولكن لم يقيض لي الله وقتًا أجلس فيه حزينًا لما أصاب (روبرت) الصغير.
ومضت الأيام بعد هذا النبأ، وإذ بفيلق من جيشنا قد أتى عليه الثوار، وفتكوا به في وحشية وجنون.
فنقلت من ساحتي إلى مستشفى هذا الفيلق لأعاون زملائي الأطباء في معالجة حياة هؤلاء المنكوبين والصرعى.
وعثرت برجل طويل القامة عملّس بتع، كان مثخنًا بالجراح في فخذيه، ولكن رجاني أن أدعه وأنصرف إلى زملائه الذين هم أحوج منه بالعناية والرعاية، بيد أني لم أكترث لرجائه في بادئ الأمر، لأن هذه الرحمة وإنكار الذات سائدة شائعة بين رجال الجيش جميعًا، ولكنه ما لبث أن عاد يقول: (بالله أيها الطبيب دعني، فثمت غلام كان يقرع الطبل، غلام باسل جسور، يجود بأنفاسه الآن، فاذهب إليه وانظره لعلك مستطيع له علاجًا، لقد أنقذ هذا الغلام ببسالته وجسارته كثيرًا من رجالنا، لقد أنقذ شرف فيلقنا بما أتاه من جليل الأعمال هذا الصباح فأنقذه بالله أيها الطبيب!) .
أثرت في نفسي روح هذا الرجل وسجيته أكثر من منظر هؤلاء الجرحى وهم مبعثرون في