خوض الحديث؛ فأما إذا وقع ما وقع ونزل من الناس هذه المنزلة، فإن لنا عتادًا من خيول وسلاح محمودًا، فإن أقدمتم أقدمنا وان أمسكتم أحجمنا).
أبن السوداء: - أحسنت.
سالم بن ثعلبة: - من كان أراد فيما أتى الدنيا فإني لم أرد ذلك، والله لئن لقيتهم غدًا لا أرجع إلى بيتي، ولئن طال بقائي إذا أنا لاقيتهم لا يزيد على جزر جزور. وأحلف بالله: إنكم لتفرقون من السيوف فرق قوم لا تصير أمورهم إلا إلى السيف.
ابن السوداء: - إن هذا قد قال قولا.
شريح بن أوفي: - أبرموا أموركم قبل أن تخرجوا، ولا تؤخروا أمرًا ينبغي لكم تعجيله، ولا تعجلوا أمرًا ينبغي لكم تأخيره، فإنا عند الناس بشر المنازل، فلا أدري ما الناس صانعون بنا غدًا إذا ما هم التقوا.
ثم تكلم أبن السوداء بعد أن أدلى كل بدلوه فقال:
(يا قوم، إن عزكم في خلطة الناس، فصانعوهم، وإذا التقى الناس غدًا فأنشبوا القتال ولا تفرغوهم للنظر: فإذا من انتم معه لا يجد بدًا من أن يمتنع، ويشغل الله عليًا وطلحة والزبير ومن رأى رأيهم عما تكرهون. فأبصروا الرأي وتفرقوا عليه والناس لا يشعرون) .
وعلى ذلك انفض الاجتماع الأثيم، وأحكمت الخطة.
قاتل الله ابن السوداء، فو الله ما أراه إلا شيطانًا خلق من مارج من نار، ما أبصره بطرق الفتنة وبث العقارب، وما أدق توهينه تلك الطرق التي أشار بها أصحابه، ما أفطنه إلى ضعفها وقلة غنائها، ثم كيف آل به تقليب الرأي حتى اهتدى إلى التي ليس بعدها شر منها: قاصمة الظهر ومبيدة الأمم.
ومنذ الذي يقرأ هذه المؤامرة، وكيف أدار أصحابها الآراء على وجوهها المختلفة، ثم لا يرجع ذهنه بسرعة البرق إلى ما ذكره أصحاب السير عن مجلس كفار قريش في دار الندوة: يجيلون الرأي في محمد صلى الله عليه وسلم ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه، وقد حضر اجتماعهم ذاك إبليس بهيئة شيخ نجدي، فجعل كما عرض أحدهم رأيًا في القضاء على دعوة محمد وهنه وأظهر فساده، حتى أعيى القوم جميعًا بحجته، فسألوه: ما عنده؟ فقال: تختارون من كل قبيلة رجلًا جلدًا، فيجتمعون ويضربون محمدًا ضربة رجل واحد