غير حال، كادوا أن يتفانوا، وانحسرت المعركة عن خمسة عشر ألفًا من القتلى وما لا يحصى من الجرحى، وكان فيمن قتل رؤوس المهاجرين والأنصار وزعماء الناس وعدد جم من القراء والعلماء والمجاهدين الأولين، وسجل التاريخ أفجع نكبة حلت بالمسلمين منذ كان للناس تاريخ.
وبعد، فهل ألب الأمصار على عثمان إلا أبن السوداء؟
وهل غرهم أحد بمثل ما زور لهم من كلام ترويجًا لدعوته؟
وهل دم عثمان إلا نجاح خطة أبن السوداء هذا؟
وهل استطاعت الروم وفارس أن تنال من هؤلاء الفاتحين بمثل ما نال منهم أبن السوداء؟
وهل هذه العشرات الألوف من دماء المهاجرين والأنصار من صحابة محمد صلى الله عليه وسلم وتابعيهم إلا ثمرة خبه وكيده ومكره بهذا الدين وأهله؟
وما زال المسلمون من يومهم ذاك إلى الآن في شرور متتالية يزجها إليهم أبناء السوداوات في مختلف الإعصار والأمصار: دسًا في دينهم وتفرقة لكلمتهم، واستهانة بتاريخهم، واستخفافًا بتقاليدهم ومقوماتهم، ووضعًا من شان لغتهم، وإفسادًا لأخلاقهم، وتهوينًا من سلامة نظمهم، وإشادة بكل مذهب أجنبي يفكك عراهم ويأتي بنيانهم من القواعد. والغريب أننا قوم (طيبون جدًا) لا نرى غضاضة في توسيد أمورنا الصغيرة أو الكبيرة إلى الذين كانوا مطايا الاستعمار وجواسيس الأجانب، وأجراء لكل دعوة هدامة ودولة طماع. نفعل ذلك عن غفلة تارة وعن غرور تارة، وقد كتب الله على هذه الأمة ألا تفطن إلى أبناء السوداوات هؤلاء إلا بعد أن يبلغوا منها ما أرادوا ليقضي الله أمرًا كان مفعولا.
ترى هل بدأنا نتعظ؟؟
سعيد الأفغاني