وفي دقة منها، كان فيها (خذ) ، مد يده فأخذ المبلغ ودسه في جيبه بلا شعور، وترك الرجل ينصرف.
أفاق عبد المؤمن أفندي من ذهلته، فأحس بمثل ما تحس به الفتاة التي فرطت ببكارتها في لحظة ضعف وخور، وتنبهت في نفسه عواطف الخير التي كان يملكا دفعة واحدة، وأحتقر نفسه وأبغضها وكره المال، وتمنى لو استطاع أن يلحق الرجل فيردها إليه، ورأى ماضيه الذي فقده حلوًا جميلًا، وأحب ذلك الفقر الشريف، واستحال ما كان يجد من السخط عليه رغبة فيه وشوقًا إليه، وفكر كيف يلقي غدًا أهله وصحبه، وتوهم انه سيكون بينهم كمن سقط في حفرة موحلة فامتلأت ثيابه طينًا، ثم جاء ليجالس الأطهار الأنقياء، وشعر بجسمه يتلهب كأن فيه نارًا تتوهج، وبالعرق يقطر في هذا البرد من فوْدَيه. . . وصار كلما حركت الريح الباب ظن أنهم قد جاءوا لاعتقاله، وأن أمره قد افتضح، وحار في هذا المال أين يخفيه، فوضعه في جيبه، ثم خاف أن يفتش، فنزع حذاءه وجواربه، فأحاط به رجله ثم لبسها عليه، ثم تراءى له أن أول مكان يفتش هو الجوارب، أليس كذلك كان يصنع كلما فتش مهربي الحشيش والهنات الصغيرات؟ وآلمه أن يرى نفسه قد انحطت إلى دركة مهربي الحشيش، ولكنه مع ذلك مضطر إلى إخفاء هذا المال، فأخرجه ولفه في منديل، ثم خلع سراويله ووضعه في المكان الذي لا يصل إليه أحد. . . وعاد يفكر ماذا يصنع بهذا المال، وماذا يقول لأولاده إذا سألوه من أين لك هذا؟ وما ألف الكذب ولا تعوده، وان هو كذب ألا تفضحه نظراته وحركاته؟ ثم ما هي الكذبة التي يكذبها؟ وتصور نفسه أمام المحكمة العسكرية، وقد سقط في أعين أولاده وأصحابه. . . إن زوجته تؤثر أن تراه فقيرًا معدمًا، على أن يدخل عليها سارقًا مرتشيًا. . . واستغرق في خواطره. . . فما نبهه إلا حركة في الطريق، فأيقن أنهم جاءوا لاعتقاله، ففزع إلى مسدسه ليقتل به نفسه، ثم تذكر أن أشد المصائب أهون من أن يموت عاصيًا، وأنها فضيحة الدنيا بين الرفاق، ولا فضيحة الآخرة على عيون الخلائق كلها. فمشى بنفسه إلى القضاء المحتوم، وفتح الباب، وكانت الرياح قد هدأت قليلًا والثلج قد أنقطع، فرأى سيارة مطفأة الأضواء قد تعثرت بالحواجز التي كان أعادها من غير شعور منه بالذي يفعله، وحاول سائقها أن يدوس الحواجز ويفر، ولكنها علقت بالدواليب واعترضت سيرها فاضطر إلى الوقوف، بعد حركة عنيفة كاد