أيها التاجر الذي يملك الآلاف إذا ربحت ألفًا آخر؟ لأنك كنت تطلب هذا الألف وتشتهيه، فجاء يسد مطلبك، ويوافق شهوتك، فمن هنا كانت سعادتك به، ومن هنا ألمك لفقده، على حين أن التلميذ الذي لا يبلغ أقصى أمله أن يمتلك عشرين قرشًا لا يألم إن يربح هذا الألف، بل هو لا يفكر فيه، أفليس التلميذ ذو العشرين قرشًا أغنى بها منك يا ذا الآلاف بآلافك؟!
والموسر الفني الذي يملك عشر عمارات يألم إن عرضت للبيع عمارة أخرى ولم يقدر على شرائها، على حين أن الموظف الصغير الذي يسكن غرفة بالأجرة لا يجد هذا الألم، وينام ملء جفونه في الليلة التي يتقلب فيها الموسر من الأرق أسفًا على العمارة التي أضاعها، أفليس الموظف بغرفته المأجورة أغنى منك يا صاحب العمارات بعماراتك؟!
والفاسق الذي قارب مائة غانية وراقصة يألم إذا جاءت راقصة جديدة فلم يحظ بقربها، ويبيت الليل مسهدًا من أجلها، ويبذل حر ماله وماء وجهه في سبيلها، وينغص عيشه من بعدها، على حين أن التقي الذي لم ير في عمره إلا امرأته، لا يأبه لها ولا يدري بها، أفليس هذا التقي أسعد بامرأته الواحدة منك يا ذا الخليلات ويا زير الراقصات؟!
إن الحياة النفسية كدفتر التاجر، ليست العبرة بضخامة أرقامه، ولكن بالباقي بعد الجمع والطرح، فالذي يملك مليونًا ويطلب منه مليون، مثل الذي لا يملك شيئًا ولا يطلب منه شيء، والذي نال من دنياه كل لذة. . . وهيهات! مثل (الدرويش) السائح في البرية الذي لا يطلب إلا لقمة يسد بها جوعه وجرعه يبل به جوفه، وأرضًا يلقي عليها جنبه، ومعه رغيفه وركوته، وله أرض الله الواسعة. . . إن هذا هو أسعد السعداء، لا لأنه نال من الدنيا كل شيء. بل لأنه حقرها عن أن يطلب منها شيئًا. فمن قنع أسعده الأقل الأقل، ومن طمع لم يسعده شيء مهما جل، لأن النفس تطمح إلى اللذة، فإن وصلت إليها، أبطلت الألفة اللذة فتطلب غيرها. . . إنك أيها الفقير تسعد لو ركبت يومًا سيارة الغني، ولكن الغني ذا السيارة لا يحس هذه السعادة بها. إنها عنده كالترام عندك، بل ربما كان الترام أمتع لك، بل ربما اشتهى هو أن يركب الترام، كما يشتهي المترف صاحب المائدة الملوكية أكلة فول على التراب!
إن الله (جلت ودقت حكمته) لم يجعل السعادة في مال ولا نشب ولا متعة، ولكنه جعلها