يديها بفيض من السرور والمودة والرفق، فإذا غابت فإن ذكر أسمها كان يملأ مقلتيه بدموع الفرح من فرط نشوته، وكانت عاطفته نحوها عميقة بالغة العمق صادقه خالصة الصدق بريئة من كل شائبة أو غرض، حتى لقد أتخذها في مستقبل أيامه مقياسًا يرجع إليه إذا شاء أن يقارن بين حالات شعوره. . .
أما اسْلنيف فكان يغار عليها كأشد ما تكون الغيره، لايطيق أن تحدث شخصًا غيره كبيرًا كان أو صغيرًا أو تتجه حتى بنظره إليه، وكان يعسف عليها ويعصف في وجهها إذا وجد منها ما يظنه ميلًا إلى غيره حتى إنه دفعها مره من شرفه حيث كانا يلعبان وقد بلغت بها الجرأة أن كلمت غلامًا أمامه فسقطت ولحق بها العرج من جراء ذلك بضع سنين، وبعد قرابة ربع قرن من هذا الحادث شاءت الأقدار أن يتزوج ليو من ابنة هذه التي غدت سيده أنجبت بنات وبنين، وأصبحت أم زوجته فقالت ضاحكه تذكره بذلك الحادث (أكبر الظن أنك دفعتني من الشرفة إبان طفولتي لكي تتزوج بابنتي فيما بعد) .
وذاق الغلام في موسكو لوعة الحزن كما ذاق فرحة الحب، فقد مات أبوه وكان في طريقه إلى مدينة تولا في صيف سنة 1837 وسقط في الطريق جسمًا لا حراك به، فمن قائل انه مات بنوبة من نوبات القلب، وآخرون يهمسون أن السم أودى به على يد فلاح ممن ملكت يداه؛ ويتسلط على رأس الغلام خيال عجيب فهو يحس أن أباه حي لم يمت ولا يستطيع أن يتصور أنه مات حقًا على الرغم من أن أخاه نيقولا قد شهد دفنه في ياسنايا بوليانا؛ وإنه لينقل بصره بين وجوه المارة في شوارع موسكو يتوقع ان تقع عيناه على أبيه، وظل هذا الخيال بضعة اشهر متسلطًا عليه.
ويتفكر الغلام مره ثانيه في الموت والحياه، فقد تفكر في ذلك حين أدرك أن عمته تاتيانا ليست أمه وعلم من نيقولا بموت أمه؛ ولقد أحس يومئذ أن الموت شئ كريه مخيف، ولكنه لم يدرك كنهه، وهو كذلك يحس اليوم مثلما أحس بالأمس، وإن كان يصحب تفكيره هذه المرة شئ من التفكير والدهشة، وسيظل هذا شأنه كلما نظر في الموت حتى يجاوز الثمانين من عمره فيطويه ذلك الشيء الكريه المخيف وهو لم يعد من طول النظر في أمره بشيء.
ولم تكد تمضي تسعة أشهر على وفاة أبيه حتى ماتت جدته محزونة على ابنها؛ وجاء المربى يحمل النبأ إلى الصبية وهم يلعبون، فأنقلب فرحهم وزياطهم إلى وجومًا وسكونًا،