أكثر الوقت ساحل إيران المشرف على المحيط الهندي، وهو ساحل ضيق تشرف عليه جبال عالية تفصل بينه وبين سائر الأرض. ولهذا لم يألف الإيرانيون البحر، ولا مرنوا على ركوبه، فلم يكونوا في تاريخهم من أمم البحار، المولعين بالأسفار فيها.
والساحل متشابه، لم أتبين من معالمه إلا آثار سيول أو أنهار متمعجة تسيل من الجبال إلى البحر.
وما زلنا بين تأمل في الأرض التي نطير فوقها، والجبال التي نحاذيها ونساميها ونعلوها، والبحر الذي نسايره حتى ستر الليل المشاهد إلا أشباحًا خفية. فكان مسرح الطرف بين الظلام الذي نعلوه، وبصيص الكواكب التي تعلونا.
ولاحت كرتشى في ظلام الليل في أضوائها منتشرة على البر والبحر، فكانت منظرًا عجيبًا مؤنسًا في هذا السفر الموحش، وبشرى بالوصول منيرة في العين والقلب، ورأيت على مقربة من الساحل جبلًا في البحر عاليًا عليه منارات ومصابيح زاد في جلال المرأى وجماله.
ودومت الطائرة كثيرًا حتى توهمت أنها لا تهتدي إلى مهبطها، ثم أسفت حتى لمست الأرض وزافت حتى استقرت عليها.
ولله ما أجمل أن يحس الراكب وقع عجلاتها على الأرض بعد أن انقطعت بينه وبين الأرض الأسباب، وتداولته الرياح ساعات طويلة. وكانت الساعة ستًا بتوقيت البصرة، وثمانيًا ونصفًا بتوقيت الهند.
استرحنا ليلتنا في فندق قريب من المطار، وغدونا إلى الطائرة فاستقلت والساعة ثمان وربع تؤم بنا دلهي، فطرنا فوق صحراء السند، وأرض أخرى معمورة لم نر فيها إلا قرى صغيرة يكاد البصر لا يدركها.
وقد وجدت في مذكرتي هذه الجملة:
(نحن الآن على بعد مائة وسبعين ميلًا إلى الجنوب الغربي من دلهي، والارتفاع عن البحر تسعة آلاف قدم، وعن الأرض ثمانية آلاف وخمسمائة، والساعة عشر ونصف،(يا لطيف يا سلام) .