أتروني أكلمكم بالأحاجي؟ وبماذا عساني أكلمكم أن لم يكن بالأحاجي؟ وتقاليد الناس قد جعلت من وجودهم سلسلة كل حلقة فيها أحجية؟ أجل. إنها لأحجية أن تفصل بين الحياة والموت وهما متصلان اتصال النهار والليل، واليقظة بالمنام، والزهرة بالثمرة، وقطرة الطل بقطعة الجليد. إنها لأحجية أن تميت نبات الأرض وطيرها وحيوانها لتحولها لحمًا في جسدك ودمًا وعظامًا وأن تدعو موتها حياة وعندما تحول الأرض جسدك نباتا وطيرًا وحيوانًا أن تدعو تلك موتًا لا حياة! إنها لا حجية أن تأكل الموت في كل ما تأكل وتشربه في كل ما تشرب وتلبسه في كل ما تلبس. وأن تنام وتقوم وإياه. وأن تشتهيه في كل شهوة من شهواتك. وأن تباركه في كل ذلك باسم الحياة. ومن ثم أن تلعنه عندما يأكلك ويشربك ويلبسك ويشتهيك!. . . الخ.
قرأت هذه الآيات التي تزخر بالإنسانية والفلسفة والشعر والمنطق فإذا بي أحس بدبيب التعزية يسري في نفسي وإذا بالثورة التي كانت تعتلج في روحي قد استحالت هدوءًا وسكينة واستسلامًا فخرجت بالنتيجة الآتية:
إن الأدباء صنفان: صنف يرهقك بآرائه وآراء غيره الجافة التي تعتمد على البحث والاستقراء دون أن يعطيك شيئًا من روحه ووجدانه، وصنف يقدم لك روحه ووجدانه طعامًا شهيًا بأسلوب سهل واضح لا غموض ولا أنانية فيه. ومن الصنف الثاني شاعر الإنسانية الشاملة، شاعر المحبة، شاعر الحياة وكاتبها الكبير الأستاذ ميخائيل نعيمه!. . .
فأنت تقرأ حين تقرأه فلسفة عميقة ومنطقًا سليما وأدبا رائعًا دون أن تحس بإرهاق في عقلك أو توتر في أعصابك، فأنت معه في بستان حافل بكل ما يعجب ويطرب ويلذ. . .
فبينما ترى الصنف الأول من الكتاب يمتدح من معين غيره ترى الصنف الثاني يستقي ويسقى من نفسه وروحه، ومن يستوح نفسه يستوح أرواح الناس جميعًا؛ الأول يكتب في كل شئ ولا يكتب في شئ؛ الأول بحاثة والثاني صاحب رسالة، الأول تقرأه مرة وقل أن تحس بحاجة للرجوع إليه، والثاني لا تستغني عنه لأنه منك وإليك!. . . الأول أناني محدود الآفاق، والثاني واسع شامل عميق كالحياة، الأول يشبه البركة الراكدة، والثاني يشبه الأوقيانوس!
فالأديب الذي لا يكفكف عبرة، ولا يكشف غمة، ولا يحل عقدة هو أدب حظه من البقاء