المؤرخين.
وقد مست القصة مواطن العبقرية من الأدباء والشعراء المحدثين فقضوا الليالي الطوال ينعمون معها بفيض من الاطمئنان الروحي ثم انطلقت قرائحهم بالنثر والشعر الرصين ذلك لأنها من أجود القصص بل لعلها أجودها جميعًا، والذي يقرؤها من قلم (شيلير يشعر بأن الرجل كان هائمًا بها هيامه بما يكتب فأخرجها آيات مبدعات من روائع الفن.
وأنا لا أستطيع أن أتهم المصريين القدماء بأنهم عبدوا الإنسان والحيوان والجماد لذاته، فأن ما خلفوه من مجد أثيل وثقافة عالية لا تسمح لهم أن ينزلوا هذه المنازل السحيقة من الجهل، بل الرأي عندي أنهم أدركوا صفات الله تعالى وبحثوا عنه في ملكوته، فلم يروه. . . ورؤا شيئًا من صفات الخالق فيما خلق، فقد سوها على أن بها سرًا من أسرار الله. . . قدسوا (أوزوريس) لكرمه ورحمته بالعباد، والنيل لمثل ذلك (وخنوم) رب الشلال الأول لأنه يحمي منابع النيل ويصنع الخلق من طينته.
وبالرغم من أن مصر لم تكن مهبط الأنبياء، إلا أن المصريين القدماء قد أظهروا استعدادًا طيبًا لتقبل الأديان السماوية قد ينفردون به دون أمم الأرض، ففي أيام موسى عليه السلام، آمنت له امرأة فرعون وكل من شاهد برهان الله على يد رسوله، ولما جاءت المسيحية اعتنقوها حتى لم يبقى في الديار كافر بها، ثم لما أشرق نور الإسلام في شمال الوادي، سطع ضياؤه بين جنباته وتغلغل في نفوس أبنائه المؤمنين (الذين قالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) ، وامتد هديه حتى عم كل بقعة وطئتها أقدام الداعين للإسلام، أولئك الذين شد الله في أزرهم وقوى نفوسهم فلم تصدهم عن رسالتهم أفاعيل السياسة ولم يقعدهم مال.
ومثل المصريين كمثل إبراهيم عليه السلام لما قلب وجهه في الكوكب والقمر والشمس باحثًا عن الله، فلما أعياه البحث تداركه الله برحمته، فهداه سواء السبيل.
وأنا ممن يعتقدون أن القصص الديني لم يكن كله حديث خرافة، فمهما خصبت عقول البشر ومهما حاول المرتزقة من كهنة المصريين القدماء أن يقدموا للناس غذاء روحيًا دسمًا من الأساطير يعيشون على حسابه، فلم يكن في طوقهم، ولا في طوق غيرهم، أن يخترعوا شيئًا من لا شيء، فقصة (أوزيريس وست) إذًا من قصة الأحياء من بني الإنسان، مثلتها