وفي وقعة خنق النطاح الثانية استشهد السيد احمد ابن أخي الأمير وهو ابن خمس عشرة سنة بعد أن بدا من بسالته ما أذهل العقول. ولما وقع عن جواده ميتًا بين الصفوف هجم الأمير في طائفة من وجوه الأبطال جعلهم ردءًا له، فخرق صفوف العدو وانتشل ابن أخيه من بينهم، فعجب الأعداء من ذلك وأيقنوا أن القتيل أمير فحاولوا منعهم من أخذه فخابوا. . .
وفي معركة برج (رأس العين) أخذ العدو يرسل قنابله على جيوش المسلمين كالمطر، فلم يزدهم ذلك إلا شدة وحماسة، وجعل الأمير يسير بين المشاة والفرسان وسائر الصفوف يحرضهم على الثبات والصبر في مجال الموت ويذكرهم بأيام الله، وبينما هو على ذلك إذ عدا عليه أحد فرسان العدو بسيفه فحاد عن سرجه فجاءت الضربة في الفرس فوقع لحينه، فركب غيره واستمر على ما كان فيه من الحض على القتال. وبلغه أن المشاة فرغت أيديهم من الرصاص فأسرع إليهم بما يكفيهم منه، ولم يحفل في ذهابه وقفوله بقنابل العدو المتصلة وصواعقه المتتابعة من البرج والبلد.
وفي غزوة (المقطع) التي شنها الجنرال تريزيل ناقضًا بها المعاهدة بينه وبين الأمير، خرج الجنرال من وهران في خمسة آلاف راجل وفرقة من الفرسان وأربع قطع من المدافع الجبلية وعشرين مركبة للتموين عدا المركبات الاحتياطية، فنهض له الأمير في نحو ألفي فارس وألف من المشاة فاحتل (بسبك) عازمًا على الإقامة هناك إلى أن يتلاحق الناس بالجيش، ولكن تريزيل عاجله بالزحف إليه، فعبأ الأمير كتائبه ورتب جنده، وعين للميمنة قائدًا وللميسرة كذلك، وثبت هو في القلب، وتزاحف الجمعان واحتدم القتال واستمر يومين فارتدت عساكر الفرنسيين على الأعقاب، وقتل منهم على ما ذكره (روا) في تاريخه جم غفير، فيهم الكمندان أودينو ابن المارشال دوك دي تريجو، وكان قتله سببًا في هذه الهزيمة النكراء. وكان الظمأ والتعب أنهكا الجيش الأمير فتفرقوا، ثم شعروا بأن العدو بات قريبًا منهم فرجعوا أفواجًا أفواجًا، وتوجه الأمير في ألف فارس اختارهم من جنده وأردف كل فارس جنديًا من المشاة، وخفوا إلى (المقطع) ، وسدوا على الجنرال سبيله، وأحاط جيش الأمير بجيش الجنرال وأضرموا عليه نار الحرب، فاضطرب الجيش الفرنسي وقتل كثير منه وأسر عدد كبير وغرق في نهر هبره أكثر، وغنم المسلمون ذخائره، وانسل الجنرال