السرعة في الحركات الحربية.
وقد أفرد تشرشل الإنكليزي الفصل السادس عشر من تاريخه لذكر حسن معاملة الأمير للأسرى ورحمته بهم والشفقة عليهم، وكان يكافئ من يأتيه بالأسير حيًا أكبر مكافأة، وكانت والدة الأمير تعنى بأسيرات النساء عناية تنسيهن ما هن فيه. وجاءه مرة أحد أعوانه بأربع من أسيرات النساء، فحول الأمير وجهه وقال: الأسد يقنص الحيوان القوي، وأما ابن آوى فيقع على الضعيف. وقال فاليوت في تاريخه: كان الأمير عدوًا كريم الأخلاق فإن كل من كان أسيرًا عنده قد أثنى عليه.
واضطر الأمير في بعض معاركه إلى الأمر بإحضار جملين فشدوا على كل واحد حزمتين من الخلفاء بعد أن لاشوهما بالقطران والزفت، وأمر أن تضرم النار فيهما حين الحمل على العدو، فلما أحسن الجملان بالنار نفرا وذهبا يجوسان خلال خيام العدو، والجيش من ورائهما، فما راع العدو إلا مشاعل النار تجول بين الخيام، ومطر القذائف تنزل عليهم من حيث لا يحتسبون، فلم يسعهم إلا الفرار مخلفين الذخائر والمتاع. ولما اضطر الأمير إلى التسليم بشروط وافق عليها الجنرال لامورسيير، ومنها أن يذهب بأهله وحاشيته إلى بلاد المشرق، خدعته فرنسة وحملته إلى بلادها ولامت الجنرال لامورسيير وأنبته على عدم أسر الأمير بدلًا من قبول تسليمه، فقال الجنرال: لو حاولت أسر الأمير وزحفت عليه لهذا الغرض ما رجعت بغير خيمته وسجادته. وإنه ليذهب إلى الصحراء بحيث لا أستطيع الوصول إليه، لأن عبد القادر ذو صلابة في دينه مشتهر بالصدق والأمانة في وطنه شديد التمسك بمبادئه، وهذا هو السبب الذي جمع القلوب عليه، والظفر الذي أحرزه في حربه معنا هو ثمرة ما قررناه، فلو ترك في بلاده لكان خطرًا علينا، وما فعلت أنا غير الصواب، وأرجعوه إذا شئتم إلى موطنه وردوا إليه القوة التي بقيت معه واقبضوا عليه عنوة إن قدرتم، وما قبلت أنا والحاكم العام تسليمه على شروطه إلا حرصًا على راحة فرنسة وجنودها التي أنهكها الحرب، وضنا بأموالها الكثيرة التي تنفق في هذه السبيل.
ثم طلبت فرنسة من الأمير أن يتخذ فرنسة وطنًا له على أن تمنحه أملاكًا واسعة تجعله من كبار أغنيائها. فأجابهم بأن الحرية أفضل عند من أموال فرنسة كلها.
ومما نظمه في تلك الأيام قصيدة طويلة، منها في حنينه إلى الأوطان: