وكان دائم الاشتغال كثير التصنيف، وقد لخص كثيرًا من كتب أرسطو طاليس وشرحها وكذلك لخص كثيرًا من كتب جالينوس في الطب، وكان خبيرًا بأصول صناعة الطب وقوانينها وأمورها الكلية إلا أنه لم يباشر أعمالها، ولم تكن له دربة بالمداواة وتصانيفه كثيرة الإفادة قال: وكان ابن الهثيم في أول أمره بالبصرة ونواحيها وبلغ الحاكم صاحب مصر من العلويين - وكان يميل إلى الحكمة - خير ما هو عليه من الإتقان لهذا الشأن فتاقت نفسه إلى رؤيته ثم نقل له عنه أنه قال: لو كنت بمصر لعملت في نيلها عملا يحصل به النفع في كل حالة من حالاته من زيادة ونقص. فقد بلغني أنه ينحدر من موضع عال هو في طرف الإقليم المصري فازداد الحاكم إليه شوقًا وسير إليه سرًا جملة من المال وأرغبه في الحضور فسافر نحو مصر ولما وصلها خرج الحاكم للقائه والتقيا بقرية على باب القاهرة المعزية تعرف بالخندق (ويقول صاحب فلاسفة الإسلام وهو مصري أن موضعها الآن الضاحية المعروفة باسم(كوبري القبة) وأمر الحاكم بإنزال ابن الهيثم واحترامه إلى آخر الخبر ويقول الأستاذ محمد لطفي جمعه لم يكن ابن الهيثم يقصد سوى صنع خزان في موضع خزان أسوان فكر بذلك قبل أن يفكر فيه المهندسون المصريون والغربيون لاسيما الإنجليز منهم - بعشرة قرون، وقد حال دون تنفيذ فكرته ما رآه من صعوبة مباشرة وكثرة نفقات المشروع وعدد ما ينبغي له من الأيدي العاملة والآلات المعدنية الضرورية للحفر والبناء في مجرى النهر وما يقتضيه ذلك من تحطيم الصخر في الموضع المعروف بالجنادل.
وبعد فها أنك ترى كيف كان يحترم الحاكم رجال العلم، وقد ذكر في عيون الأنباء جملة من الأطباء في مصر نالوا حظوة كبرى عند ملوكها فمنهم البالسيّ الذي ألف كتاب التكميل في الأدوية المفردة - لكافور الأخشيدي ومنهم موسى بن العازار الإسرائيلي، وكان مشهورًا بالحذق والتقدم وكان في خدمة المعز لدين الله، وألف له الكتاب المعزى في الطبيخ وله كتاب الأقراباذين ومقالة في السعال ومنهم سعيد بن البطريق كان مشهورًا متقدمًا في الطب، وقد صيره القاهر بالله في أول خلافته بطريقًا على الإسكندرية، وله كتاب في الطب علم وعمل، ومنهم محمد التميمي، كان ذا خبرة فاضلة في تركيب المعاجين والأدوية المفردة، واستقصى معرفة أدوية الترياق وركب منه شيئًا كثيرًا على أتم ما يكون من حسن الصنعة،