وإن كانت جوهرًا واحدًا - تتجه إلى اسفل لتسوس البدن، فتكون عملية، وتتجه كذلك إلى أعلى لتتلقى العلم النظري وتستفيد به، فتكون حينئذ نظرية عالمة عالية لا صلة لها بالبدن ولا بمؤثراته بأي نوع من الصلات. إذ هي تنطبع بالصور الكلية المجردة عن المادة، وتجردها منها إن كانت غير مجردة ثم تنطبع بها.
وهذا الفعل النظري بطبيعته قابل لهذه الصور - قابل لها بالقوة لها بالفعل
(1) يقبلها بالقوة قبولًا مطلقًا من حيث أنه محل قبول هذه الصور، وأن لديه الاستعداد لقبولها متى شاء أو صحت الظروف، فيسمى حينئذ عقلًا هيولانيًا، لأنه يشترك فيه أفراد النوع باستعداد فطري.
(2) ويقبلها بالقوة قبولًا ممكنًا بعد أن يكون قد تهيأ للاستعداد الهيولاني السابق تحصيل هذه الصور والكمالات العقلية، فأصبح مهيأ لفعلها متى أراد بلا واسطة، فيسمى حينئذ عقلًا ممكنًا (أو ملكة
(3) ويقبلها بالقوة قبولًا ممكنًا كذلك، بأن يكون العقل الممكن في المرحلة الثانية قد تم له تحصيل هذه الصور والكمالات وأصبحت له ملكة كاملة يستطيع بها أن يفعل متى أرد ولو لم يكن فاعلًا في لحظة ما. وتسمى هذه ملكة أو كمال قوة أو قوة كمالية (نسبة إلى الكمال لا الكمالي)
والأولى من هذه القوى النظرية هي التي يمكن أن يقال إنها بالقوة بحق، فإذا ما بدأت تحصل المعقولات الكلية والمقدمات العقلية والبديهيات في المرحلة الثانية (القوة الممكنة) وصارت عقلًا بالملكة؛ ثم إذا تم لها كمال التحصيل والتخزين لهذه الصور المعقولة المدخرة التي تطالعها وترجع إليها في نفسها متى أرادت فتعقلها وتعقل أنها تعقلها - بلا عسر أو تكلف - في المرحلة الثالثة (كمال القوة) ، فهنا في هذين العقلين يكون العقل بالفعل لا بالقوة. ومسالة القوة والفعل في هذه العقول الثلاثة نسبية عند ابن سينا، فكل واحد منها يكون بالفعل لما قبله وبالقوة لما بعده. ذلكم أن صفة (الفعل) إنما يكتسبها الواحد من هذه العقول لا من ذاته، بل باستفادته من عقل هو أبدًا بالفعل لا بالقوة (هو العقل الفعال الذي سبقت الإشارة إليه) ولذا يسمى ابن سينا العقل في أوج تعقله وإدراكه وكماله العقل المستفاد