المنهوك التي تفوح منه رائحة المعصية. . لقد تخيلته في تلك اللحظة - ولا أدري لماذا!؟ - جيفة نتنه تطفو على مستنقع آسن، تصورته أشلاء متناثرة وأعضاء آدمية مشوهة لطخت بالدماء والأوحال!!.
فثارت نفسي ثورة عاتية، ثورة صاخبة. . . ورأيتني وبدون أن أشعر، أتحفز الوثوب والانقضاض. . . على من؟! وتلفت حولي فلم أجد من أستحق عليه لعنات ثورتي، لم أجد هنا غير هذا الجسد المستباح، غير الفريسة المستسلمة الخانعة وهي لا تزال في ضجعتها على السرير. . . وكأنها اطمأنت لهدوئي وسكينتي فراحت تستريح من وصب الحياة، بل راحت تسترد قواها المنزوفة طيلة النهار.
ورحت أنظر إليها متهالكة تنظر إليَّ نظرة عطف وإشفاق. . . بل رحت أقارن بيني وبينها: إنها ضحية مجتمع فاسد ونظم بالية سقيمة!. لقد دفعتها الأوضاع الشاذة في طريق الإثم والجريمة، بعد أن امتدت إليها أصابع الزمن العاتية، فاستلت منها خيوط الرجاء والسعادة، فأصبحت مومسًا فاجرة تعيش قسرًا بهذا المحيط الموبوء، وهي موصومة ببصقات الاحتقار. . . إنها عرض مهدر وشرف مضيع يعبث به من يشاء، بثمن زهيد!
وأنا. . . عربيد فاجر. . . ولا أقول ضحية ثانية من ضحايا هذا المجتمع. . . أنا دفعت بيد هذه المسكينة وبأمثالها من بنات حواء، إلى مثل هذا الطريق الشائك، طريق الإثم والغواية! وجررتها إلى مثل هذه الحياة الملتوية القذرة. . . فالويل لي ولأمثالي من أبناء آدم، والويل كل الويل لأمة لا تستطيع أن تكفل لأبنائها لقمة العيش!
وفجأة، شعرت أن بركانًا ثائر الأنفاس كان قد انبثق في تلك اللحظة في أغواري، وأحسست أن جميع أدراني وأوزاري قد تساقطت على الأرض الواحدة تلو الأخرى، وكأنني شعرت بموجة من الندم تطغى على مشاعري، وأن شعاعًا لذيذًا تسرب إلى أوصالي، فراح ينير لي تلك الزوايا المظلمة من جوانب نفسي ونوع من الشعور لم أعرفه من قبل: هذا عجب! إن روحي تغتسل في هذا الفيض الإلهي الذي يغمرني. . . فأصبحت لساعتي - وبهذه السرعة - ثائرًا على الأوضاع والتقاليد ساخطًا على أهل الصلف والعجرفة من الأغنياء، كارهًا لدهري الطاغي، ناقمًا على المجتمع الذي احترف الخداع ودرجة على الشر والظلم، فراح يسدل على الحقائق ستارًا من العفة الكاذبة والورع المصطنع!