فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 17091 من 30278

وكان من فضيلة القرآن الصوتية أن استوعب جميع مظاهر الدلالة في مجالاتها الواسعة، وتمرس في استيفاء وجوه التعبير عنها بمختلف الصور الناطقة، وقد يكون من غير الممكن استحضار جميع الصيغ في استعمالات منها، أو ما يبدو أنه مهم في الأقل، وذلك باستطراد بعض النماذج النابضة فيما أخال وأزعم، وقد يعبر كل نموذج منها عن مظهر فني، ليقاس مثله عليه، وشبيهه به، وبذلك يتأتى للباحث والمتلقي إلقاء الضوء الكاشف على أبعاد دلالة القرآن الصوتية، في تشعب جوانبها، وعظمة انطلاقها، مما يكوّن معجمًا لغويًا خاصًا بمفرداتها، وقاموساُ صوتيًا حافلًا بإمكاناتها.

سيقتصر حديثنا عن مظاهر الدلالة في مجالات قد تكون متقابلة، أو متناظرة، أو متضادة، أو متوافقة، وهي بمجموعها تكون أبعاد الدلالة الصوتية في القرآن، وهذا ما تتكفّل بإيضاحه المباحث الآتية.

دلالة الفزع الهائل:

استعمل القرآن طائفة من الألفاظ، ثم اختيار أصواتها بما يتناسب مع أصدائها، واستوحى دلالتها من جنس صياغتها، فكانت دالة على ذاتها بذاتها، فالفزع مثلًا، والشدة، والهدة، والاشتباك، والخصام، والعنف، دلائل هادرة بالفزع الهائل والمناخ القاتل.

1ـ قف عند مادة صرخ في القرآن، وصرخة الصّيحة الشديدة عند الفزع، والصراخ الصوت الشديد (1) . لتلمس عن كثب، وبعفوية بالغة: الاستغاثة بلا مغيث، في قوله تعالى: (وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحًا) (2) . مما يوحي بأن الصراخ قد بلغ ذروته، والاضطراب قد تجاوز

(1) ظ: ابن منظور، لسان العرب: 4>2.

(2) فاطر: 37.

مداه، والصوت العالي الفظيع يصطدم بعضه ببعض، فلا أذن صاغية، ولا نجدة متوقعة، فقد وصل اليأس أقصاه، والقنوط منتهاه، فالصراخ في شدة إطباقه، وتراصف إيقاعه، من توالى الصاد والطاء، وتقاطر الراء والخاء، والترنم بالواو والنون يمثل لك رنة هذا الاصطراخ المدوي «والاصطراخ الصياح والنداء والاستغاثة: افتعال من الصراخ قلبت التاء طاء لأجل الصاد الساكنة قبلها، وإنما نفعل ذلك لتعديل الحروف بحرف وسط بين حرفين يوافق الصاد في الاستعلاء والإطباق، ويوافق التاء في المخرج» (1) .

والإصراخ هو الإغاثة، وتبلية الصارخ، وقوله تعالى: (ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي) (2) .تعني البراءة المتناهية، والإحباط التام، والصوت المجلجل في الدفع، فلا يغني بعضهم عن بعض شيئًا، ولا ينجي أحدهما الآخر من عذاب الله، ولا يغيثه مما نزل به، فلا إنقاذ ولا خلاص ولا صريخ من هذه الهوة، وتلك النازلة، فلا الشيطان بمغيثهم، ولا هم بمغيثيه.

والصريخ في اللغة يعني المغيث والمستغث، فهو من الأضداد، وفي المثل: عبد صريخه أمة، أي ناصره أذل منه (3) . وقد قال تعالى: (فلا صريخ لهم ولا هم ينفذون) (4) . فيا له من موقف خاسر، وجهد بائر، فلا سماع حتى لصوت الاستغاثة، ولا إجارة مما وقعوا فيه.

والاستصراخ الإغاثة، واستصرخ الإنسان إذا أتاه الصارخ، وهو الصوت يعلمه بأمر حادث ليستعين به (5) .

قال تعالى: (فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه) (6) . طلب للنجدة في فزع، ومحاولة للإنقاذ في رهب، والاستعانة على العدو بما يردعه عن

(1) الطبرسي، مجمع البيان: 4>410.

(2) إبراهيم: 22.

(3) ابن منظور، لسان العرب: 4>3.

(4) ياسين: 43.

(5) ابن منظور، لسان العرب: 4>3.

(6) القصص:18.

الإيقاع به، وما ذلك إلا نتيجة خوف نازل، وفزع متواصل، وتشبث بالخلاص.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت