مثاله: قول الله عز وجل (وَالضُّحَى* وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى* مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) (الضحى 1 ـ 3) أخرج الشيخان من حديث جندب بن سفيان رضي الله تعالى عنه قال:"اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلتين أو ثلاثا، فجاءت امرأة فقالت يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك لم أراه قربك منذ ليلتين أو ثلاثا فأنزل الله عز وجل: (وَالضُّحَى* وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى) (الضحى1:2) فهذه الرواية .. صحيحة وهي في نفس الوقت صريحة."
ثم هناك روايات أخرى غير هذه .. فعند الطبراني بإسناد ضعيف في سبب نزولها أن الوحي أبطأ، وأن جبريل وعد النبي صلى الله عليه وسلم فتأخر عنه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما حدث في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر الجارية أن أن تخم ـ تكنس ـ الدار فأدخلت المكنسة تحت السرير فوجدت جروا قد مات ـ والجرو هو الكلب الصغير ـ فأخرجته وألقته، فجاء جبريل فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن سبب التأخر، فأخبره أن السبب هو هذا الجرو، وقال إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب"فحديث:"أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب ولا صورة"صحيح ثابت، لكن في قصة سبب النزول لما أخبره أنه لم يدخل بسبب هذا الجرو .. هذه الرواية ضعيفة .. فالحاصل أن الصيغة صريحة ولكن الرواية غير صحيحه .. فهذه تستبعد."
وهناك رواية ثالثة عند ابن جرير الطبري من طريق ضعيف عن ابن عباس رضي الله عنهما: لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن أبطأ عنه جبريل أيامًا فتغير بذلك فقالوا: ودعه ربه وقلاه فأنزل الله تعالى: (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) (الضحى:3)
وهناك رواية أخرى:"فتر الوحي حتى شق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وأحزنه فقال: لقد خشيت أن يكون صاحبي قلاني- يعني جبريل جفاني- فجاء جبريل بسورة (والضحى .. ) وهذه رواية ضعيفة أيضًا."
وفي رواية أخرى:"فتر الوحي فقالو لو كان من عند الله لتتابع ولكن الله قلاه فأنزل الله: (والضحى) و (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) (الشرح:1) (الشرح:1) إلى آخر السورة، وهي رواية ضعيفة."
فهذه الروايات كثيرة لكن سبب النزول الحقيقي هو الرواية الأولى، فنقتصر على هذا السبب الوحيد فقط، ولا نسرد الباقي على أنه من أسباب نزول السورة بل لا نلتفت إليه.
ثانيًا: ما اجتمع فيه الصحيح والضعيف، وفي الصحيح الصريح وغيره:
مثاله: قول الله عز وجل: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) (البقرة: من الآية115) و الروايات الواردة في سبب النزول هي:
1 -أخرج ابن جرير بإسناد جيد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان أول ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وكان أكثر أهلها اليهود، أمره الله عز وجل أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهرًا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب قبلة إبراهيم عليه السلام إلى أن حوّلت القبلة .. فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها فأنزل الله عز وجل: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) (البقرة: من الآية115) وقال: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) (البقرة: من الآية115) فهذه رواية عن ابن عباس عند ابن جرير بإسناد جيد وهي صريحة لقوله: (فأنزل الله) إذًا: هي بسبب تحويل القبلة ردا على اليهود.
2 -ما أخرجه الترمذي، وابن ماجه من حديث عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال:"كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة فصلى كل رجل منا على حياله على الجهة التي اجتهد فيها يعتقد أن القبلة منها .. ثم وضعوا خطوطًا في الليل .. فلمّا أصبحوا ذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فنزلت (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) (البقرة: من الآية115) هذه رواية صحيحة و هي صريحة أيضًا."
(يُتْبَعُ)