فهرس الكتاب
وأن ما انبث في فجاج الأرض من خيرات، وما انتثر على آفاق السماء من كواكب، وما اتسق في نظام الكون من جمال وبهجة، إنما هو مهاد ميسر للحياة الإنسانية كيما تتأنق، وتزدان. فنظرة الدين للإنسان كبيرة والموضع الذى يطلبه له من الحياة العامة خطير، وهو لا يفترض له إلا المعيشة الكريمة، لا المعيشة التى يستكمل فيها ضروراته فحسب بل التى يستكمل فيها مباهجه ومرفهاته. وبهذا يكون أهلا لفهم خطاب الله وتذوق ما فيه من معان وأغراض. ولإيضاح ذلك نورد أن القرآن مثلا يقول: (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) ترى من يفهم هذا القول؟ ومن يحس بما فيه من إدلال بالنعم وتذكير بالفضل؟ أهو الإنسان المكفول في معايشه، القوى على أيامه، المفتوح المشاعر لما في الحياة من خير وجمال؟ أما الإنسان المشرد الذهن، الموصول بالدنيا من أحلك شئونها وأتعس حظوظها، فهو لا يحس بما توحى به الآية من أن السموات والأرض مسخرة له، بل يحس بأنه مسخر - روحا وبدنا - لكل من في السموات والأرض! وإذا تحدث القرآن عن الآلاء التى أنزلها الله لعباده كافة: (وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها) فمن الذى يدرى فتنة البساتين النضرة، ونفحات الحدائق العطرة؟. أهم سكان مدننا المحرومون من المتنزهات العامة المحبوسون في أزقة تملأ القلوب وحشة والعقول ضيقا؟ أم غيرهم ممن أخذوا أنصبتهم وفوق أنصبتهم من الأشعة والرياضة والرحلات إلى الأقطار البعيدة بعد أن ملوا النظر إلى ما حولهم من قصور وجنان؟ ص_ ص5