فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 213

وهكذا سلك الواقفون كل مسالك الخير فلم يدعوا جانبا من جوانب الحياة دون أن يكون للخير نصيب فيه. وهم بهذا إنما يصدرون عن إحساسات إنسانية عميقة تنفذ إلى مواطن الحاجة التى تعرض للناس في كل زمان ومكان، ولا شك أنه قد كان للدين أثر كبير في إيقاظ هذا الوعى الاجتماعى وتوجيهه إلى التساند والتكافل الذى لا تقوم الأمم إلا به ولا تحيا الشعوب حياة كريمة إلا في ظلاله. البر على هذه الصورة أرضى للنفس وأروح للقلب إذا كان موصولا لا ينقطع، دائما لا ينتهى. ولهذا آثر كثير من المحسنين أن يكون إحسانهم على هذه الصورة الدائمة المتصلة، وعلى مر الأيام وتعاقب الأجيال كثرت الأوقاف وأصبح لها كيان بارز في الوضع الاقتصادى والاجتماعى في كل قطر من الأقطار. إن بذور الخير التى كمنت دهرا في أطواء هذا الوقف، تفتحت أزهارها ونضجت أثمارها في القرون العجاف التى عاشت- فقط- أمجاد الماضين، وبرهم الباقى! أجل، فقد جاء العصر الأخير وهذه الأوقاف تجبر المكسورين، وتنقذ الغارمين، وتكفل الأرامل واليتامى، وتصل بأولاد الفقراء إلى المراحل العليا من التعليم، وتسد حاجات للمجتمع الإسلامى لم يستطع المعاصرون الوفاء بها أو القيام عليها!. وبرغم أن ولاة هذه الأوقاف أفادوا الكثير منها لأنفسهم ومأربهم إلا أن ينابيعها الثرية ضمنت الحياة لعشرات ومئات من المعاهد والمستشفيات وألوف من الأسر الفقيرة، وألوف من المساجد وغيرها من المؤسسات الدينية الخالصة. من أجل ذلك بذل الاستعمار- حيث نزل- جهودا قوية لبعثرة هذه الأحباس، وحل ما وثقته الأيام من عراها وشن حملات متتابعة عليها حتى تنقطع جهات الخير عن الموارد التى تمدها بالحياة، بل عن الضمانات التى تكتب لها البقاء ... وذلك ما يريد!!. ونحن ننبه إلى أن الوقف الخيرى عمل مبرر وسعى مشكور، وأن أصحابه رجال يستحقون كل إجلال وتكريم، وأن من الواجب على المجتمع احترام نياتهم وإنفاذ وصاياهم في الحدود التى توائم المصلحة العامة وتوافق تعاليم الدين .. ص_140

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت