وجعل للجسد حقا وللعين حقا. وللأهل حقا، وللضيف حقا، وأوصى أن يعطى كل ذى حق حقه. ولم يجعل التمكين في الدنيا والاستخلاف في الأرض أمرا تافها تدركه الشعوب الهزيلة أو الأمم التى لا قدرة لها على التعمير ولا كفاية لديها للإجادة والتنظيم، كلا فليس يرشح للسيادة في الأرض إلا الصالحون للوصول بالإنسان إلى مكانته العظمى فوقها: (و لقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون * إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين) . ويدل على هذه الحقيقة أن الله - تعالى - امتن على يوسف الصديق بأن مكن له في الأرض - بهذا المعنى - يدير شئونها ويشرف على أهلها، ويهيمن على خزائن المال فيها. (وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين) . وهذا في الدنيا فقط ولذلك يقول بعدها: (ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون) . ولما أصبحت شئون الدنيا لا تزن عند المسلمين جناح بعوضة أصبحوا هم - شعوبا وحكومات - لا يزنون في نظر العالم جناح ذبابة. ولما فاتهم السبق فيها وأعجزهم النبوغ في علومها وفنونها أفلت الزمام من أيديهم، وأضحت سياسة العالم تدور بعيدا عنهم بل تدور للمكر بهم والكيد لهم. إن الدين يكره أن تأتى الدنيا للإنسان من حرام. ويكره إذا جاءته أن يسخرها في خسائس الأمور ومحاقرها. لكنه يطلب طلبا حاسما أن يقبل الإنسان عليها من أبوابها المشروعة. ولأمر ما ارتفع الإسلام بالتجار الذين يكسون الحياة ويحوزون الدنيا من هذه الطريق حتى سلكهم مع النبيين والصديقين. ص_208