أما الشرق الإسلامى من عصور خلت فالأمر فيه على النقيض، لا هو يحكم بما أنزل الله ولا هو يحكم بما أراد لنفسه، وإنما تستبد بشئونه عصابات من المرتزقة احترفت أكل الناس كما يحترف الفلاحون حراثة الأرض ورعاية السائمة. * جاء الإسلام فاعتبر الحكم تكليفا لا تشريفا، وحمل الحاكم من الأمانات ما تنوء به الجبال، انظر إلى وظيفة الحاكم كما جاءت على لسان الرجال الذين رباهم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكونوا حكاما على المسلمين من بعده. عن الأغر أبى مالك قال: لما أراد أبو بكر أن يستخلف عمر بعث إليه، فدعاه، فأتاه، فقال أبو بكر:"إنى أدعوك لأمر متعب لمن وليه! فاتق الله يا عمر بطاعته، وأطعه بتقواه، فإن التقى آمن محفوظ، ثم إن الأمر معروض لا يستوجبه إلا من عمل به، فمن أمر بالحق وعمل بالباطل، وأمر بالمعروف وعمل بالمنكر، يوشك أن تنقطع أمنيته وأن يحبط عمله، فإن أنت وليت عليهم أمرهم، فإن استطعت أن تجف يدك من دمائهم، وأن تضمر بطنك من أموالهم، وأن تكف لسانك عن أعراضهم فافعل، ولا قوة إلا بالله ..". فلما ولى عمر أمور المسلمين كان من فقهه العميق لهذه النصيحة، وإدراكه الصحيح لعمل الحاكم أن قال:"لوددت أنى وإياكم في سفينة في لجة البحر تذهب بنا شرقا وغربا فلن يعجز الناس أن يولوا رجلا منهم، فإن استقام اتبعوه، وإن جنف قتلوه!! فقال طلحة: وما عليك لو قلت:"وإن تعوج عزلوه"؟! فقال عمر:"لا .. القتل أنكر لمن بعده"!. إن التلاعب بأمر الجماعة مصيبة نكراء، وعمر يريد أن ينكل بالحاكم الطائش ليكون لمن بعده عبرة. وعمر .. وفقهاء الأمة لا يفتون بقتل الحاكم جزافا! فإن قتل نفس- أى نفس- يعتبر كبيرة شنعاء، يعتبر خرقا في نظام الوجود:"من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا"، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لزوال الدنيا 162