وعندى أن فساد العلم والأدب لدى المسلمين أخيرا يرجع إلى وطأة الحكم المستبد وزيادة توغله، ورغبته في إقصاء كل ما يعوق ظلمه ويكفكف غلواءه. وقد تظاهر الأمران معا على تحطيم كيان الأمة التى ظلت تقاوم- بالإيمان المجرد- فساد قرون متطاولة حتى جاء القرن الرابع عشر للهجرة فإذا بها مزق مهلهلة في أيدى الطامعين والغاصبين. وإليك بعض المأخذ على نظام الحكم في العهد الأموى:
1 -تحولت الخلافة الراشدة إلى ملك عضوض، واحتكرت زعامة المسلمين أسر معينة.
2 -ضعف إحساس الأمة بأنها مصدر السلطة، وأن أميرها نائب عنها أو أجير لديها، وأصبح الحاكم الفرد هو السيد المطلق النفوذ، والناس أتباع إشارته: ترى الناس إن سرنا يسيرون حولنا وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا
3 -تولى الخلافة رجال ميتو الضمائر وشباب سفهاء، جريئون على معصية الله واقتراف الإثم، وليس لثقافتهم الإسلامية قيمة.
4 -اتسع نطاق المصروفات الخاصة للحاكم وبطانته ومتملقيه، وتحمل هذه المغارم بيت مال المسلمين وأثر هذا السرف الحرام على حاجات الفقراء ومصالح الأمة.
5 -عادت عصبية الجاهلية التى هدمها الإسلام، فانقسم العرب قبائل متفاخرة، ووقعت الضغائن بين العرب والفرص وغيرهم من الأجناس التى دخلت في الإسلام قبلا، وكان الحكم المستبد يثير هذه النزعات الضالة، ضاربا بعضها بالبعض ومنتصرا بإحداها على الأخرى.
6 -هانت قيم الخلق والتقوى، بعد ما تولى رئاسة الدولة غلمان ماجنون، وبعدما لعن السابقون الأولون على المنابر، حتى أن شاعرا مسيحيا مدح يزيد بن معاوية فقال: ذهبت قريش بالسماحة والندى واللؤم تحت عمائم الأنصار! 176