وقد ازدهرت ثقافة الإسلام في الأيام التى بدأ الحكم يخرج فيها عن منهجه المشروع. ومن ثم اشتد الصراع بين الأئمة والحكام على ما سنقص- بعد- ونتج عن ارتفاع المستوى العلمى لدى جمهور المسلمين في الصدر الأول أن أضرار الحكم الفاسد احتبست في دائرة محدودة، كادت معالمها تتضح في أذهان العامة، هى دائرة"السلطان وحاشيته"، فقاطعوها ونأوا بجانبهم عنها، ولعل من آثار هذه النزعة مما يدور على ألسنة العامة، حتى اليوم:"السلطان من لا يعرف السلطان". وأعان على نقصان الشر، وحصار مصدر الضر، أن الحكم قديما لم تكن له الهيمنة على الدقيق والجليل من شئون الحياة كما هو الآن بعد تحول الدولة إلى سلطة مركزية. ونتج كذلك عن ارتفاع المستوى العلمى في الصدر الأول، شدة الإحساس بحقيقة الخير والشر، والمعروف والمنكر، فما تقع خطيئة من مستبد إلا لحقتها صيحات الناقدين بالشكاية والفضيحة، فكان المظلوم يحظى بالعطف والمواساة، وكان الظالم مزريا عليه باللسان إذا عز تأديبه بالسنان!. والليل الذى أطبق على الإسلام والمسلمين بأسدافه الحالكة يوم غاضت منابع العلم وخفتت أصوات النقدة، ودرست سبيل الدعوة إلى الله، ويوم أمست الصحائف التى تمثل الثقافة العامة لهذا الدين وأهله مزيجا من الأقوال الفارغة والآراء التافهة والتقليد الأعمى والألفاظ الجوفاء، حتى أشبهت كتب المسلمين في العصور الأخيرة كتب السحر عند اليهود الأقدمين، تلك التى قال الله في دروسها:"ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون * ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون". 175