فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 212

ولنلتفت إلى الناحية المقابلة حيث الروم والمشاركون لهم في عقائدهم، والروم على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الأولين هم صميم المسيحية، ولنذكر حديثا رواه الإمام مسلم وتعليقا عليه لداهية العرب عمرو بن العاص، وإنك لتقرأ الحديث والتعليق فلا تدرى أتعجب لصدق قائل الحديث، أم لذكاء صاحب التعليق. عن المستورد القرشى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"تقوم الساعة والروم أكثر الناس"فقال عمرو بن العاص: أبصر ما تقول!! فقال المستورد: أقول: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عمرو: إن قلت ذلك إن فيهم لخصالا أربعة، إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة عند مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وأجبرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة، وأمنعهم من ظلم الملوك". هذا الحديث لو قيل اليوم، ولم يقل من ألف سنة وأربعمائة سنة، ما شابته ذرة من باطل. ولنرسل الطرف إلى الغرب لنرى مصداق هذه النبوءة، وحصافة التعليل لها من رجل عربى بعيد الغور!. إن النزعة القبلية القديمة عندنا أشعرتنا خطأ أن الشرف يأتى من مناصب الحكم وحدها، ومن ثم دار الكفاح حولها في مرارة وقسوة. ولو كان الفرد يدرك أنه يستطيع بلوغ القمم عن طرق أخرى غير رياسة العامة وإصدار الأوامر لاتجهت ملكاته إلى هذه الطرق الأخرى فبرز فيها ونبغ وساد، فقه الغربيون هذا المنطق السديد وبنوا عليه حياتهم وأقاموا حضارتهم، فلم يصابوا من داخلهم بهذه الآفات التى أصبنا بها في حياتنا وحضارتنا، لقد اتجهوا إلى العلم والأدب والصناعة والتجارة والزراعة فكانوا في هذه الميادين الرحيبة ملوكا، واتسعت هذه الميادين لخواصها على كثرتهم فقل بينهم الصدام، ولا غرو، فالقرية لن يكون لها إلا عمدة واحد، ولكن حاجتها لا تنتهى إلى الطبيب والحاسب والكاتب والعالم والأخصائيين في شئون العمران المختلفة، فإذا سادت الجماعة فكرة أن الجاه في منصب العمدة فحسب تفانت أسر كبيرة لنيله (!) أما إذا أدركت أن الشرف مقرون 188"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت