فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 212

عرفا وتقليدا بسائر الأعمال الأخرى توزعت عليها في غير جلبة، وذاك سر من أسرار التفاوت بين الشرق والغرب، ولا دخل فيه لدين. آه لو انحلت هذه العقدة في مجتمعاتنا، إذن خلقت خلقا جديدا، وما دامت قائمة فسوف تترادف الفتن وتتلاحق المصائب وتنفذ الجراح فما تلتئم إلا على دغل. يرى عمرو العربى خلالا بعينها في الروم فيرد إليها أساليب بقائهم برغم ما ينالهم من كوارث، إن الفتن لا تطيش بأحلامهم لأنهم يتلمسون الخلاص منها بنفوس لا تنضح بحب السيطرة وعشق الرياسة، وقد رأينا دول أوروبا تدخل في حربين طاحنتين وتستعد لخوض حرب أخرى، وقد فقدت في هذه الحروب ألوفا مؤلفة من الرجال والأموال ومع هذه المغارم لم يفقدوا قدرتهم على الجلاد الطويل، لأنهم - كما يقول عمرو بن العاص - أسرع الناس إفاقة عند مصيبة وأوشكهم كرة بعد فرة. قد تستغرب أن يصفهم عمرو بأنهم أجبر الناس لمسكين ويتيم وضعيف ولكن مشروعات الضمان الاجتماعى وإعانة العاطلين التى نقتبس منها اليوم سطورا قليلة، أليست وليدة تفكيرهم وثمرة نظمهم؟. وإن أنس لا أنسى أن وزيرا في إنجلترا يستقيل من منصبه لأن الحكومة كلفت المرضى أن يدفعوا نصف ثمن الأسنان والمناظير والأدوات والآلات التى تصرف في تطبيبهم، وهو يريد أن تنفرد الحكومة بحملها دونهم!. إن ذلك يتم هناك على حين أن مرضانا يموتون بعاهاتهم تحت أنظار العامة والخاصة، ولا يجدون فؤادا يرق، ولا يدا تعطى. إن تقطع الأواصر في مجتمعاتنا يعود إلى ما يسكن قلوب الحاكمين من تأله وغطرسة وإلى حسبان الوظيفة مظهر وجاهة لا وسيلة خدمة عامة. وسر هذا الفساد أن الدين عنوان لا موضوع له في بلاد لا تقوم على الأخوة، بل على سيادة قلة وذلة أتباع، وعلى تنافس بين السادة لاستدامة هذا الوضع بحوك الدسائس وسفك الدماء!!. *189

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت