فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 212

وقد ظلت الفجوة بين العلم والحكم قائمة إلى أمد طويل، وكان العلماء يجتهدون في إفراغ ذمتهم حيال الأمانة التى ألقيت عليهم، أمانة الإبانة عن حقيقة الدين والنصح للحكام والمحكومين، وجار العنت على كثير منهم فهلك، وخلا الجو للحكام المستبدين فضلوا وأضلوا!. ومع ذلك فإن طبيعة الإسلام تألقت في أحلك العصور، ووجه الولاة الظلمة بمن يعترض طريقهم بعد أن رسخ في الاستبداد قدمهم، وكرت الأيام والليالى على عهودهم فأضفت عليها مهابة وقرارا، ولن نسرد الشواهد لذلك من عصور ازدهار العلم، ونبوغ الأئمة في الفقه والرواية والتفسير وشتى آفاق الشريعة، فإن المقام يطول ولا تنقضى آياتهم الرائعة، وإخلاصهم العميق، وحبهم المكين لله ورسوله صلى الله عليه وسلم وإيثارهم الآخرة واستكبارهم على الدنيا. بل سنتخير الشواهد من عصر المماليك! عندما أرخى الليل سدوله، وتقسمت الأمة الكبيرة أطماع الأمراء المتكالبين على سيادتها، وأحاطت بالدولة التركية المتداعية أطماع الروس والإنجليز والطليان، وبدا لأعداء الإسلام أن الإسلام قد جف عوده، وذهبت نضارته، وأضحى هشيما تذروه الرياح. نعم سنتخير الشواهد من هذا العصر. يقول الأستاذ محمد فريد أبو حديد:"إن بعض المتكلمين من الوعاظ الذين كانوا يتعاقبون في تلك العصور كانوا بمثابة الصحفيين، يعقدون مجالسهم في المساجد فيلقون فيها دروسا في معانى العدل وواجبات الحكام وحقوق المحكومين، ويدرسون في خلال تلك الدروس نقدات للحكام لا يخشون منهم غضبا ولا يتوجسون خوفا، وكان بعض الحكام يضيق بنقدهم ولكنهم كانوا في أغلب الأحوال يتركونهم آمنين أحرارا لا يقيدون ولا يعاقبون على ما يصدر عنهم من النقد، ولعل أول من نبغ من هؤلاء الوعاظ هو الشيخ"الحفنى"الذى يعاصر"على بك الكبير". كان زاهدا ورعا كريما كثير البذل للفقراء، وكان لا يتردد في إبداء نصحه صريحا قويا، وإن كره أهل الحكم رأيه وصراحته. 199"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت