الدم الغالى يكتب اليوم تاريخ أمتنا، وقطراته العزيزة تتساقط من الأبطال المجندلين في أطراف الميدان البعيد، إننا لا نخشى وحشة الموت على الشهداء الذين يجودون بأرواحهم وهم يرفعون ألوية الحق، فما عند الله خير لهم وأبقى .. إنما نريد شيئا واحدا .. نريد أن نطمئن الجنود الذاهبين إلى ساحة الوغى أن الحق الذى يعتز بتضحياتهم لن يهتز بعد ذهابهم، وأن الغايات النبيلة التى يطلبونها لأمتهم سنسهر عليها حتى تمتد جذورها في الأرض، وتعلو فروعها في السماء. إنهم يقاتلون الإنجليز، لأن الإنجليز خرجوا من ديارهم بطرا ثم جاءوا إلى هذه البلاد ليذلوا من أعز الله، ويفقروا من أغنى الله، ويصرفوا الأمة عن دينها، ويعلقوها بالملاهى والصغائر، مستعينين على ذلك بمن سفه نفسه من المتحللين الذين ليس لهم خلق، والمتكبرين الذين ليس لهم دين، إنهم يقاتلون الإنجليز لأنهم يريدون لأنفسهم ولإخوانهم من ورائهم الحرية والعدالة والفضيلة فهم خصوم العبودية والظلم والرذيلة في كل مكان تقع فيه ومن كل إنسان تصدر عنه .. ويجب أن تتوطد في مجتمعنا هذه المعانى جميعا، وأن نحارب عليها كل من يجادلنا فيها ويباعدها عنا، من الإنجليز، أو ممن يخدم سياستهم السافلة، أيًّا كانت جلدته ونسبته .. *لنفصح عما في ضمائرنا، ولنقلها كلمة صريحة حاسمة .. إننا نريد أن نستطعم مذاق الحرية التى نشتهيها، ونبعث أحب الناس إلينا ليدفعوا عنها العدوان .. وأن يعيش الوادى كله في ظلال دستور محترم، وقوانين مرعية وحكام أمناء. عندما رأيت صورة جندى إنجليزى يضع قدمه على صدر عامل مصرى ويهوى بالكرباج على جسده الطريح، عرتنى رعشة غضب وقلت: سننتقم من الأوغاد في يوم قريب. ثم سبحت بى الذكريات الأسيفة، وتراقصت أمام عينى صور التعذيب التى نزلت بنا في العهد البائد، يوم عطل الدستور وساد الإرهاب، واستبدت بوطننا المسكين عصابة من الفراعنة الأفاكين .. 026