فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 212

هذا وجه الغرابة. وهنا كذلك موطن الاستشهاد بهذا الحديث الخطير: هؤلاء أول خلق الله تسعر بهم النار .. إن هذا العقاب فوق ما أعد للزناة والقتلة .. وأولئك قوم مهما فسدت نواياهم فالأعمال التى أدوها صالحة في ظاهرها وربما كان فيها نفع للناس فكيف يرمون بهذا الجزاء؟. إن الذى يدرس المجتمعات الفاسدة ويتغلغل في بحث عللها، والذى يتبع أعمال الأدعياء وطلاب الزعامة ويستقصى وسائلهم الملتوية في تسخير الجماهير للوصول إلى القمة، والذى يلحظ النهضات الكبرى وكيف يدركها الفشل فجأة لأنها أصيبت برجال يحبون الظهور فلا يرحبون بالنصر إلا إذا جاء عن طريقهم وحدهم أما إذا جاء عن طريق غيرهم فهو البلاء المبين. الذى يلحظ هذه الآفات القتالة يدرك أن هناك رجالا كأنما يعيشون في غرف من المرايا فأينما ولوا وجوههم لا يرون إلا أنفسهم .. إنهم يعبدون أنفسهم من دون الله ويريدون أن تعنو وجوه الناس لهم. وقد يقرءون القرآن، لا قربى إلى الله ولكن لينتفعوا به في تدعيم أثرتهم، وقد يتصدقون لا عطفا على محروم، ولكن ليراهم الناس وأيديهم هى العليا، فلو خلوا برجل يموت جوعا ما أطعموه. وقد يقاتلون عن وطنهم أو عن مبدئهم، لا ليفتدوا الوطن أو المبدأ، فإن ما تركز في طباعهم أن الأوطان والمبادئ فدى لهم أنفسهم. *وقد لمحنا من ثلاثين عاما على ثورتنا ضد الإنجليز، نفر من هذا النوع الذى سيكون طليعة المجرمين إلى النار، اصطنعوا المكارم والتضحيات فما استفادت البلاد شيئا من تضحياتهم ومكارمهم، وظللنا نقاتل في مواضعنا لا ننتقل عنها خطوة إلى الأمام. وذلك أنه لا يوجد فيهم من يريد أن يكون جنديًا مجهولا، أو من يعمل للحق في غير ما جلبة ولا ضوضاء. 043

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت