بل على العكس تعلم العامة أن يسيحوا في الطريق هاتفين بحياة بعض الأشخاص وتمجيد بعض الأسماء، كأننا سنستبدل احتلالا خارجيًا باحتلال داخلى ... !!. والوثنية السياسية حين تقترف بعض الفضائل لا تنظر إلى ما فيها من خير، فإن معنى الشر والخير غامض لديها، وحسن الأمر أو قبحه بمدى ما يعود عليها، وقد رووا أن"نابليون"كان يؤمن بأن الثورة الفرنسية مثلبة في تاريخ فرنسا ولكنه مع هذا كان يعدها نعمة كبرى لأنها جلبت له عرشًا، وخولته سلطانًا مكن له في الأرض. ** عندما تفسد الدولة بالاستبداد، وعندما تفسد الأمة بالاستعباد، يعتبر الرياء هو"العملة"السائدة، وقاعدة تقرير الأمجاد لطلاب المجد الكاذب، وتقريب المنفعة لطلاب المنفعة الزائلة، وهو حينئذ خلق السادة والعبيد، لكن الإسلام جعل صلة الدولة بالأمة أكرم من ذلك وأنقى، فالحاكم إمام والمحكوم مقتد، والكل يبتغى وجه الله وينخلع من أغراضه الخاصة. والذى يذهب إلى المسجد لأداء الصلاة، لا يشغله أمر إلا أداء الواجب الموقوت، فإن صلى إماما أو مأموما فهو وضع عارض له، أما عمله الأصيل فأداء حق الله. كذلك الحاكم المسلم، إنه ليس سيدا ليستعلى ويستعلن، وإنما ليؤدى عملا موكولا به، وذلك سر قول أبى بكر وعمر:"وليت عليكم ولست بخيركم ..". وكذلك المحكوم المسلم إنه ليس تابعا ليتملق ويرائى ويعطى الدنية من نفسه .. بل ليعين على الخير ويحجز عن الشر ويشارك في حمل العبء. وهذا سر قول عمر للناس:"إن أحسنت فأعينونى و إن أسأت فقومونى"فقال له رجل من أخريات المسجد: لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناك بسيوفنا، فاستراح عمر لذلك وسُرَّ .. بهذه السياسة وحدها يستقيم أمر الناس وترشد طريقة الحكم. فلما جاء عبد الملك بن مروان ونهى الناس أن تقول له: اتق الله، هدم ركنًا في الإسلام غير الذى هدمه أسلافه من أصحاب الملك العضوض. ثم كانت الرزايا التى جرت على دين الله أفدح الأخطار .. * 044