فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 212

فلما رأوه قد لبس سلاحه وأحسوا بأنهم غيروا رغبته وأنزلوه على رأيهم ندموا، وقالوا: بئسما صنعنا، نشير عليه والوحى يأتيه؟ فقاموا واعتذروا إليه وقالوا: يا رسول الله، اصنع ما شئت، فقال:"لا ينبغى لنبى أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل". وكان الخير لو نزل الشباب عند رأيه، ولكنه كره أن يفتات عليهم، أو أن يتراجع عن ملاقاة الموت بعدما تهيأ له معهم. وفى موقعة بدر نزل الرسول صلى الله عليه وسلم في مكان ارتآه، فجاءه رجل خبير بمواقع الصحراء وأشار عليه أن يتحول إلى غيره، ففعل. وفى اختياره العفو عن أسرى بدر - مع أنهم مجرمو حرب - نزل تصويب الوحى له:"ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم". وفى سماحه لبعض المترددين أن يتخلفوا عن القتال نزل عتاب لطيف على هذا الإذن السريع:"عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين". ولما كانت هذه التصرفات تتعلق بالناحية البشرية المحضة في حياة الرسول صلَّى الله عليه وسلم، وهى ناحية تتعرض بطبيعتها للنسيان والتفاوت في تقدير الأمور والعواقب، فقد نبه رسول الله صلَّى الله عليه وسلم المسلمين إلى ذلك حتى يتعاونوا معه على تعرف الحق وعلى التزامه أيا كان المهتدى إليه. ومن ثم جاء حديثه المشهور في القضاء"إنما أنا بشر مثلكم، وإنكم تختصمون إلى، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضى له بنحو ما أسمع .. فمن قضيت له بشىء من حق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار". هذا هو مسلك أعظم رجل مشت قدمه على ظهر الأرض. 055

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت