بسم الله الرحمن الرحيم الأمثال مرآة تنعكس عليها عادات الشعوب وسلوكها وأخلاقها وتقاليدها، وهى معين لا ينضب، لمن يريد دراسة المجتمع، أو اللغة، أو العادات الشعبية، عند أمة من الأمم. وها هو ابن عبد ربه يصفها في كتابه: العقد الفريد (3/ 63) بأنها «وشى الكلام، وجوهر اللفظ، وحلى المعانى، والتى تخيرتها العرب، وقدمتها العجم، ونطق بها في كل زمان، وعلى كل لسان، فهى أبقى من الشعر، وأشرف من الخطابة، لم يسر شىء مسيرها ولا عمّ عمومها، حتى قيل: أسير من مثل وقد ضرب الله عزّ وجلّ الأمثال في كتابه، وضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم في كلامه قال الله عزّ وجلّ: {يََا أَيُّهَا النََّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ} وقال: {وَضَرَبَ اللََّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ} . ومثل هذا كثير في آى القرآن» .
وكتاب الأمثال، لمؤرّج السّدوسى، الذى ننشره اليوم لأول مرة، يعدّ من أقدم كتب الأمثال العربية، التى عنى بجمعها الرعيل الأول من اللغويين العرب، وتناولوها بالشرح والتفسير.
وقد عرفت هذا الكتاب من اقتباسات منه في خزانة الأدب للبغدادى، حين طالعتها منذ أعوام خلت، وحين رجعت إلى كتاب برو كلمان في تاريخ الأدب العربى، عرفت أن من كتاب المؤرج نسخة وحيدة محفوظة بمكتبة دير
الإسكوريال بأسبانيا، فأسرعت إلى اجتلاب مصورة منها، وبذلت من جهدى ووقتى في قراءتها، والتعليق عليها، وشرح ما غمض من عباراتها، وتوثيق نصوصها بعرضها على مختلف المصادر، وظلمت عشر سنوات أنقب عما فيها من شعر في بطون المراجع، غير أن بعضه لا يزال عزيز المنال، بعيد المرام.