خلت دورهم منهم وأقوت عراصهم ... وساقتهم نحو المنايا المقادر [1]
وخلّوا عن الدّنيا وما جمعوا لها ... وضمّتهم تحت التّراب الحفائر [2]
كم اختلست أيدي المنون، من قرون بعد قرون؟ وكم غيّرت ببلاها، وغيّبت أكثر الرّجال في ثراها؟؟؟
وأنت على الدّنيا مكبّ منافس ... لخطّابها فيها حريص مكاثر [3]
على خطر تمشي وتصبح لاهيا ... أتدري بماذا لو عقلت تخاطر؟
وإنّ امرأ يسعى لدنياه جاهدا ... ويذهل عن أخراه لا شكّ خاسر
انظر إلى الأمم الخالية، والملوك الفانية، كيف انتسفتهم الأيام، وأفناهم الحمام [4] ؟ فانمحت آثارهم، وبقيت أخبارهم.
فاضحوا رميما في التّراب وأقفرت ... مجالس منهم عطّلت ومقاصر
وخلّوا عن الدّنيا وما جمعوا بها ... وما فاز منهم غير من هو صابر
وحلوا بدار لا تزاور بينهم ... وأنّى لسكّان القبور التّزاور
فما إن ترى إلّا رموسا ثووا بها ... مسطّحة تسفي عليها الأعاصر [5]
كم عاينت من ذي عزّة وسلطان، وجنود وأعوان، قد تمكّن من
(1) أقوت: خلت. عراص: جمع عرصة وهي باحة الدار.
(2) الحفائر: جمع حفرة ويعني بها القبر.
(3) المعنى: أنك مقبل على الدنيا تنافس أو تباري الآخرين في الأعمال والمال.
(4) انتسفتهم: أهلكتهم. وأفناهم الحمام: أفناهم الموت وأبادهم.
(5) الرموس: جمع رمس أي القبر. ثووا بها: رقدوا وأقاموا. الأعاصير: الرياح الشديدة.