ما عنده، فقال أحد خدمه: أصلح الله الأمير! رأيت بالأمس رجلا يطأ الفصاحة بنعليه [1] ، وتقف الأبصار عليه، يسأل النّاس، ويسقي الياس، ولو أمر الأمير بإحضاره، لفضلهم بحضاره [2] ، فقال سيف الدّولة: عليّ به في هيئته، فطار الخدم في طلبه، ثمّ جاؤوا للوقت به، ولم يعلموه لأيّة حال دعي، ثمّ قرّب واستدني، وهو في طمرين قد أكل الدّهر عليهما وشرب [3] ، وحين حضر السّماط [4] ، لثم البساط، ووقف، فقال سيف الدّولة: بلغتنا عنك عارضة فاعرضها في هذا الفرس ووصفه، فقال: أصلح الله الأمير كيف به قبل ركوبه ووثوبه، وكشف عيوبه وغيوبه؟ فقال: اركبه، فركبه وأجراه، ثمّ قال:
أصلح الله الأمير هو طويل الأذنين، قليل الاثنين، واسع المراث [5] ، ليّن الثّلاث، غليظ الأكرع، غامض الأربع، شديد النّفس، لطيف الخمس، ضيّق القلت [6] ، رقيق السّتّ، حديد السّمع، غليظ السّبع، دقيق اللّسان، عريض الثّمان، مديد الضّلع، قصير التّسع، واسع الشّجر [7] ، بعيد العشر، يأخذ بالسّابح [8] ، ويطلق بالرّامح، يطلع
(1) يطأ الفصاحة بنعليه: أي يسيطر عليها.
(2) الحضار: جودة القريحة وقوة البيان.
(3) طمرين: ثوبين. أكل الدهر عليهما وشرب: من قول الشاعر:
سألتني عن أناس هلكوا ... شرب الدهر عليهم وأكل
أي بلوا وماتوا منذ أمد طويل.
(4) السماط: جماعة الحاضرين، المجلس.
(5) المراث: مبعر الفرس.
(6) القلت: النقرة في ورك الفرس.
(7) الشجر: مخرج الفم.
(8) يأخذ بالسابح: يبدأ عدوه بقائمتيه الأماميتين اللتين تشبهان يدي السابح.