طين فلطّخ بها جبيني، ووضعها على رأسي، ثمّ خرج ودخل آخر فجعل يدلكني دلكا يكدّ العظام، ويغّمزني غمزا يهدّ الأوصال، ويصفّر صفيرا يرش البزاق [1] ، ثمّ عمد إلى رأسي يغسله، وإلى الماء يرسله، وما لبث أن دخل الأوّل فحيّا أخدع الثّاني بمضمومة قعقعت أنيابه [2] ، وقال: يا لكع ما لك ولهذا الرّأس وهو لي؟ ثمّ عطف الثّاني على الأوّل بمجموعة هتكت حجابه [3] ، وقال: بل هذا الرّأس حقّي وملكي وفي يدي، ثمّ تلاكما حتّى عييا، وتحاكما لما بقيا، فأتيا صاحب الحمّام، فقال الأوّل: أنا صاحب هذا الرّأس لأنّي لطّخت جبينه، ووضعت عليه طينه، وقال الثّاني: بل أنا مالكه لأني دلكت حامله، وغمزت مفاصله، فقال الحمّاميّ: ائتوني بصاحب الرّأس أسأله، ألك هذا الرّأس أم له، فأتياني وقالا: لنا عندك شهادة فتجشّم [4] ، فقمت وأتيت، شئت أم أبيت، فقال الحمّاميّ: يا رجل لا تقل غير الصّدق، ولا تشهد بغير الحقّ، وقل لي: هذا الرّأس لأيّهما، فقلت: يا عافاك الله هذا رأسي، قد صحبني في الطّريق، وطاف معي بالبيت العتيق [5] ، وما شككت أنّه لي، فقال لي: اسكت يا فضوليّ،
(1) البزاق والبصاق والبساق: ماء الفم إذا خرج منه. ويصفر: يصوت.
(2) الأخدع: عرق في العنق. والمضمومة: اليد التي تضم أصابعها. قعقعت:
صوتت. المعنى: ما كاد الثاني يبدأ بدلكي حتى عاد الأول فضربه بجمع يده ضربة اصطكت لها أسنانه.
(3) عطف الثاني على الأول بمجموعة هتكت حجابه: حمل الثاني على الأول بضربة يد أضعفت قوته.
(4) فتجشم: تحمل مشقة الذهاب لأداء الشهادة.
(5) طاف بي في البيت العتيق: كان معي أثناء الطواف في الكعبة المكرمة كتأدية فريضة الحج.