ثمّ مال إلى أحد الخصمين فقال: يا هذا إلى كم هذه المنافسة مع النّاس، بهذا الرّأس؟ تسلّ عن قليل خطره، إلى لعنة الله وحرّ سقره [1] ، وهب أنّ هذا الرّأس ليس [2] ، وأنّا لم نر هذا التّيس.
قال عيسى بن هشام: فقمت من ذلك المكان خجلا، ولبست الثّياب وجلا [3] ، وانسللت من الحمّام عجلا، وسببت الغلام بالعضّ والمصّ [4] ، ودققته دقّ الجصّ [5] ، وقلت لآخر: اذهب فأتني بحجّام يحطّ عنّي هذا الثّقل، فجاءني برجل لطيف البنية، مليح الحلية، في صورة الدّمية، فارتحت إليه، ودخل فقال: السّلام عليك، ومن أيّ بلد أنت؟ فقلت: من قمّ [6] ، فقال: حيّاك الله! من أرض النّعمة والرّفاهة وبلد السّنّة والجماعة، ولقد حضرت في شهر رمضان جامعها وقد أشعلت فيه المصابيح، وأقيمت التّراويح، فما شعرنا إلّا بمدّ النّيل، وقد أتى على تلك القناديل، لكن صنع الله لي بخفّ قد كنت لبسته رطبا فلم يحصل طرازه على كمّه [7] ، وعاد الصّبيّ إلى أمّه، بعد أن صلّيت العتمة واعتدل الظّلّ، ولكن كيف كان حجّك؟ هل قضيت مناسكه كما وجب، وصاحوا: العجب العجب؟ فنظرت إلى المنارة، وما أهون الحرب على النّظّارة، ووجدت الهريسة على حالها، وعلمت أنّ الأمر بقضاء من الله وقدر، وإلى متى هذا الضّجر؟ واليوم وغد،
(1) سقره: نار جهنم.
(2) ليس: لا وجود له، أصلها لا إيس. والأيس: الوجود.
(3) وجلا: خائفا.
(4) أي قلت: عضّ عن أبيك، ومص عن أمك.
(5) دققته دق الجص: ضربته ضربا أليما أو شديدا.
(6) قم: مدينة إيرانية.
(7) ليس للحق طراز: أي لم يوشّ ويزين.