البيت، وضحكنا إليه، ورحّبنا به، وأريناه ضالّته [1] ، وساعدناه حتّى شبع، وحادثناه حتّى أنس، وقلنا: من الطّالع بمشرقه، الفاتن بمنطقه؟؟ فقال: لا يعرف العود كالعاجم، وأنا المعروف بالنّاجم [2] ، عاشرت الدّهر لأخبره، فعصرت أعصره، وحلبت أشطره [3] ، وجرّبت النّاس لأعرفهم، فعرفت منهم غثّهم وسمينهم، والغربة لأذوقها، فما لمحتني أرض إلّا فقأت عينها، ولا انتظمت رفقة إلّا ولجت بينها [4] ، فأنا في الشّرق أذكر، وفي الغرب لا أنكر، فما ملك إلّا وطنت بساطه، ولا خطب إلّا خرقت سماطه [5] ، وما سكنت حرب إلّا وكنت فيها سفيرا، قد جرّبني الدّهر في زمني رخائه وبوسه، ولقيني بوجهي بشره وعبوسه، فما بحت لبوسه، إلّا بلبوسه [6] :
وإن كان صرف الدّهر قدما أضرّ بي ... وحمّلني من ريبه ما يحمّل
فقد جاء بالإحسان حيث أحلّني ... محلّة صدق ليس عنها محوّل
قلنا: لا فضّ فوك، ولله أنت وأبوك، ما يحرم السّكوت إلّا عليك، ولا يحلّ النّطق إلّا لك، فمن أين طلعت؟ وأين تغرب؟ وما الّذي يحدو أملك أمامك، ويسوق غرضك قدّامك؟؟. قال: أمّا الوطن فاليمن،
(1) ضالته: ما يطلب.
(2) عجم العود: عضه ليختبر صلابته. الناجم: الظاهر الذي لا يخفى على أحد.
(3) الأعصر: الأزمنة. الأشطر: أخلاف الناقة. والمثل «حلبت الدهر أشطره» يعني عرفت حلوه ومره وخيره وشره.
(4) ولج المكان: دخل فيه.
(5) الخطب: الأمر الجسيم والكربة العظيمة. سماطه: جماعة الجيش.
(6) المعنى انه لبس لكل حالة لباسها (لبوسها) .