فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 210

كلّ واحد منهم يعتذر ممّا فعل، ويظهر النّدم على ما صنع، فأوهمتهم أنّي قد صفحت عنهم، ولم أظهر لهم أثر الموجدة عليهم بما تقدّم، فطابت نفوسهم، وسكنت جوارحهم، وانصرفوا على ذلك، وعادوا إليّ في اليوم الثّاني، فحبستهم عندي، ووجّهت وكيلي إلى السّوق فلم يدع شيئا تقدّمت إليه بشرائه إلّا أتى به، وكانت لنا طبّاخة حاذقة، فاتخذت عشرين لونا من قلايا محرقات، وألوانا من طباهجات، ونوادر معدّات، وأكلنا وانتقلنا إلى مجلس الشّراب، فأحضرت لهم زهراء خندريسيّة [1] ، ومغنّيات حسان محسنات، فأخذوا في شأنهم وشربنا، فمضى لنا أحسن يوم يكون، وقد كنت استعددت لهم بعددهم خمسة عشر صنّا من صنان الباذنجان، كلّ صنّ بأربعة آذان [2] ، واستأجر غلامي لكلّ واحد منهم حمّالا كلّ حمّال بدرهمين، وعرّف الحمالين منازل القوم، وتقدّم إليهم بالموافاة بعشاء الآخرة، وتقدّمت إلى غلامي وكان داهية أن يدفع إلى القوم بالمنّ والرّطل، ويصرف لهم، وأنا أبخّر بين أيديهم النّدّ والعود والعنبر، فما مضت ساعة إلّا وهم من السّكر أموات لا يعقلون، ووافانا غلمانهم عند غروب الشّمس كلّ واحد منهم بدابّة أو حمار أو بغلة، فعرّفتهم أنّهم عندي اللّيلة بائتون، فانصرفوا، ووجّهت إلى بلال المزيّن فأحضرته، وقدّمت إليه طعاما فأكل، وسقيته من الشّراب القطربّلى، فشرب حتّى ثمل، وجعلت في فيه دينارين أحمرين، وقلت: شأنك والقوم، فحلق في ساعة واحدة خمس عشرة لحية، فصار القوم جردا مردا، كأهل الجنّة، وجعلت لحية كلّ واحد منهم مصرورة في ثوبه، ومعها رقعة مكتوب فيها: «من أضمر بصديقه الغدر وترك الوفاء، كان هذا مكافأته والجزاء» ، وجعلتها

(1) زهراء خندريسية: خمر متلألئة.

(2) الصن: السلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت