في جيبه، وشددناهم في الصّنان، ووافى الحمّالون عشاء الآخرة، فحملوهم بكرّة خاسرة، فحصلوا في منازلهم، فلمّا أصبحوا رأوا في نفوسهم همّا عظيما، لا يخرج منهم تاجر إلى دكّانه، ولا كاتب إلى ديوانه، ولا يظهر لإخوانه، فكان كلّ يوم يأتي خلق كثير من خولهم ومن نساء وغلمان ورجال يشتمونني ويزنّونني، ويستحكمون الله عليّ، وأنا ساكت لا أردّ عليهم جوابا، ولا أعبأ بمقالهم، وشاع الخبر بمدينة السّلام بفعلي معهم، ولم يزل الأمر يزداد حتّى بلغ الوزير القاسم بن عبيد الله [1] ، وذلك أنّه طلب كاتبا له فافتقده، فقيل: إنّه في منزله لا يقدر على الخروج، قال: ولم؟ قيل: من أجل ما صنع أبو العنبس لأنّه كان امتحن بعشرته ومنادمته، فضحك حتّى كاد يبول في سراويله أو بال، والله أعلم. ثمّ قال: والله لقد أصاب وما أخطأ فيما فعل، ذروه فإنّه من أعلم النّاس بهم، ثمّ وجّه إليّ خلعة سنيّة، وقاد فرسا بمركب، وحمل إليّ خمسين ألف درهم، لاستحسانه فعلي، ومكثت في منزلي شهرين أنفق وآكل وأشرب، ثمّ ظهرت بعد الاستتار، فصالحني بعضهم لعلمه بما صنع الوزير، وحلف بعضهم بالطّلاق الثّلاث وبعتق غلمانه وجواريه أنّه لا يكلّمني من رأسه أبدا، فلا والله العظيم شانه، العليّ برهانه، ما اكترثت بذلك، ولا باليت، ولا حكّ أصل أذني، ولا أوجع بطني، ولا صرّني، بل سرّني، وإنّما كانت حاجة في نفس يعقوب قضاها.
وإنّما ذكرت هذا ونبّهت عليه ليؤخذ الحذر من أبناء الزّمن، وتترك الثّقة بالإخوان الأنذال السّفل، وبفلان الورّاق النّمّام الزّرّاف الّذي ينكر حقّ الأدباء، ويستخفّ بهم، ويستعير كتبهم لا يردّها عليهم، والله المستعان، وعليه التكلان.
(1) القاسم بن عبيد الله: وزير المعتضد والمكتفي العباسيين.