قال: واجتمع رأي النّدمان، على فصد الدّنان [1] ، فأسلنا نفسها [2] ، وبقيت كالصّدف بلا درّ [3] ، أو المصر بلا حرّ [4] .
قال: ولمّا مسّتنا حالنا تلك دعتنا دواعي الشّطارة [5] ، إلى حان الخمّارة [6] ، واللّيل أخضر الدّيباج [7] ، مغتلم الامواج [8] ، فلمّا أخذنا في السّبح [9] ، ثوّب منادي الصّبح [10] ، فخنس شيطان الصّبوة، وتبادرنا إلى الدّعوة، وقمنا وراء الإمام، قيام البررة الكرام، بوقار وسكينة، وحركات موزونة، فلكلّ بضاعة وقت، ولكلّ صناعة سمت، وإمامنا يجدّ في خفضه ورفعه [11] ، ويدعونا بإطالته إلى صفعه، حتّى إذا راجع بصيرته [12] ، ورفع بالسّلام عقيرته، تربّع في ركن محرابه، وأقبل بوجهه على أصحابه، وجعل يطيل إطراقه، ويديم استنشاقه، ثمّ قال: أيّها النّاس من خلط في سيرته، وابتلي بقاذورته،
(1) فصد الدنان: أي فتح الدنان (جمع دن أي زق الخمر) .
(2) اسلنا نفسها: استخرجنا دمها، أخذنا منها.
(3) المصر بلا حر: البلاد بلا إنسان حر شريف.
(4) الشطارة: الخبث والميل إلى الدعارة والفسق.
(5) حان الخمارة: حانوت بيع الخمر.
(6) الديباج: الثوب المصنوع من الحرير. واللون الأخضر إذا اشتد غدا مظلما.
والمعنى أن الليل غدا أسود الثوب.
(7) مغتلم الأمواج: ثائر الأمواج، من اغتلم أي ثار.
(8) السبح: السباحة. يعني السير.
(9) ثوب: نادى المؤذن داعيا إلى الصلاة، فالتثويب يعني لغة الاجتماع والمجيء.
(10) خنس: انخذل وانقبض.
(11) الخفض والرفع: السجود والإقامة.
(12) راجع بصيرته: راجع عقله وثاب إلى رشده.