أظعنا [1] تريد؟ فقلت: إي والله، فقال: أخصب رائدك، ولا ضلّ قائدك، فمتى عزمت؟ فقلت: غداة غد، فقال:
صباح الله لا صبح انطلاق ... وطير الوصل لا طير الفراق
فأين تريد؟ قلت: الوطن، فقال: بلّغت الوطن، وقضيت الوطر، فمتى العود؟ قلت: القابل، فقال: طويت الرّيط، وثنيت الخيط [2] ، فأين أنت من الكرم؟ فقلت: بحيث أردت، فقال: إذا أرجعك الله سالما من هذا الطّريق، فاستصحب لي عدوّا في بردة صديق، من نجار الصّفر، يدعو إلى الكفر، ويرقص على الظّفر، كدارة العين، يحطّ ثقل الدّين، وينافق بوجهين [3] .
قال عيسى بن هشام: فعلمت أنّه يلتمس دينارا، فقلت: لك ذلك نقدا، ومثله وعدا، فأنشأ يقول:
رأيك ممّا خطبت أعلى ... لا زلت للمكرمات أهلا
صلبت عودا، ودمت جودا ... وفقت فرعا، وطبت أصلا
لا أستطيع العطاء حملا ... ولا أطيق السّؤال ثقلا
قصرت عن منتهاك ظنّا ... وطلت عمّا ظننت فعلا
يا رجمة الدّهر والمعالي ... لا لقي الدّهر منك ثكلا [4]
(1) الظعن: السفر.
(2) طويت الريط وثنيت الخيط الريط: الملاءة. والعبارة تعني الدعاء له بالعودة إلى بلخ في قابل الأيام، إذ يطوي أيام البعد ويثني خيط الفراق.
(3) يصف هنا الدينار فهو عدو صديق، أصفر اللون، يسهل لصاحبه ارتكاب الآثام، ويحمله الصيارفة على رؤوس أناملهم لينقدوه، وهو مستدير كالعين، وله وجهان مختلفان.
(4) الرحمة: السناد. يقول: إنك كريم أعطيتني أكثر مما طلبت وأملت، دمت للعطاء وزكا أصلك.