المورّدات، ونفرت مع ذلك عن الدّنيا نفور طبع الكريم عن وجوه اللّئام، ونبوت [1] عن المخزيات نبوّ السّمع الشّريف عن شنيع الكلام، والآن لمّا أسفر صبح المشيب، وعلتني أبّهة الكبر، عمدت لإصلاح أمر المعاد، بإعداد الزّاد، فلم أر طريقا أهدى إلى الرّشاد ممّا أنا سالكه، يراني أحدكم راكب فرس، ناثر هوس [2] ، يقول: هذا أبو العجب، لا ولكنّي أبو العجائب، عاينتها وعانيتها، وأمّ الكبائر قايستها وقاسيتها، وأخو الأعلاق: صعبا وجدتها، وهونا أضعتها، وغاليا اشتريتها، ورخيصا ابتعتها [3] ، فقد والله صحبت لها المواكب، وزاحمت المناكب، ورعيت الكواكب، وأنضيت المراكب، دفعت إلى مكاره نذرت معها ألّا أدّخر عن المسلمين منافعها، ولا بدّ لي أن أخلع ربقة [4] هذه الأمانة من عنقي إلى أعناقكم، وأعرض دوائي هذا في أسواقكم، فليشتر منّي من لا يتقزّز من موقف العبيد، ولا يانف من كلمة التّوحيد، وليصنه من أنجبت جدوده، وسقي بالماء الطّاهر عوده.
قال عيسى بن هشام: فدرت إلى وجهه لأعلم علمه فإذا هو والله شيخنا أبو الفتح الإسكندريّ، وانتظرت إجفال النّعامة بين يديه [5] ، ثمّ تعرّضت فقلت: كم يحلّ دواءك هذا؟ فقال: يحلّ الكيس ما شئت، فتركته وانصرفت.
(1) نبوت: ابتعدت.
(2) ناثر هوس: ينثر كلاما خفيفا.
(3) الأعلاق: الحلي التي تعلق للزينة.
(4) الربقة: الحبل المعقد. يريد أنه ينقل هذه المهمة إلى سواه من الناس.
(5) أجفال النعامة: تفرق عامة الناس عنه.