وقائدا جنيبة، عنّ لي راكب على أورق جعد اللّغام، فحاذاني حتّى إذا صكّ الشّبح بالشّبح [1] رفع صوته بالسّلام عليك، فقلت: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، من الرّاكب الجهير الكلام المحيّي بتحيّة الإسلام؟ فقال: أنا غيلان بن عقبة [2] ، فقلت: مرحبا بالكريم حسبه، الشّهير نسبه، السّائر منطقه، فقال: رحب واديك، وعزّ ناديك، فمن أنت؟ قلت: عصمة بن بدر الفزاريّ، قال: حيّاك الله نعم الصّديق، والصّاحب والرّفيق، وسرنا فلمّا هجّرنا قال: ألا نغوّر يا عصمة فقد صهرتنا الشّمس؟ فقلت: أنت وذاك، فملنا إلى شجرات ألاء كأنهنّ عذارى متبرّجات، قد نشرن غدائرهنّ، لأثلات تناوحهنّ، فحططنا رحالنا، ونلنا من الطّعام، وكان ذو الرّمّة زهيد الأكل، وصلّينا بعد، وآل كلّ واحد منّا إلى ظلّ أثلة يريد القائلة، واضطجع ذو الرّمّة، وأردت أن أصنع مثل صنيعه، فولّيت ظهري الأرض، وعيناي لا يملكهما غمض، فنظرت غير بعيد إلى ناقة كوماء قد ضحيت وغبيطها ملقى [3] ، وإذا رجل قائم يكلأها كأنّه عسيف أو أسيف [4] فلهيت عنهما، وما أنا والسّؤال عمّا لا يعنيني؟ ونام ذو الرّمّة غرارا، ثمّ انتبه، وكان ذلك في أيّام مهاجاته لذلك المرّيّ، فرفع عقيرته وأنشد يقول:
(1) النجيبة: الناقة الكريمة، والجنيبة: الناقة المرافقة لناقتك. الأورق: الجميل الذي فيه سواد وبياض. جعد اللغام: كثير الزبد.
(2) غيلان بن عقبة: هو ذو الرمة، شاعر أموي معاصر للفرزدق وجرير والأخطل.
لكنه لم يبلغ شأوهم.
(3) ناقة كوماء: مرتفعة السنام. ضحيت: أصابتها شمس الضحى. الغبيط:
الرحل.
(4) يكلأها: يرعاها. عسيف أو أسيف: أجير أو عبد.