إذا طمح النّاس للمكرمات ... فطرفهم المطرق النّاعس
تعاف الأكارم إصهارهم ... فكلّ أياماهم عانس [1]
فلمّا بلغ هذا البيت تنبّه ذلك النّائم، وجعل يمسح عينيه، ويقول: أذو الرميمة يمنعني النّوم بشعر غير مثقّف ولا سائر [2] ؟ فقلت:
يا غيلان، من هذا؟ فقال: الفرزدق، وحمي ذو الرّمّة فقال:
وأمّا مجاشع الأرذلون ... فلم يسق منبتهم راجس [3]
سيعقلهم عن مساعي الكرام ... عقال، ويحبسهم حابس [4]
فقلت: الآن يشرق فيثور [5] ، ويعمّ هذا وقبيلته بالهجاء، فو الله ما زاد الفرزدق على أن قال: قبحا لك يا ذا الرّميمة! أتعرض لمثلي بمقال منتحل [6] ؟ ثمّ عاد في نومه كأن لم يسمع شيئا، وسار ذو الرّمّة وسرت معه، وإنّي لأرى فيه انكسارا حتّى افترقنا.
(1) تعاف: تكره. أصهارهم: الزواج منهم. الأيامى: النساء. العانس: التي كبرت دون زواج.
(2) شعر غير مثقف ولا سائر: شعر غير مهذب ولا ذائع بين الناس.
(3) مجاشع: قوم الفرزدق. الراجس: السحاب المصحوب بالرعد. معنى البيت: لا سقى الله قوم الفرزدق، وحلّ القحط فيهم.
(4) عقل: منع. وعقال وحالس من آباء الفرزدق. والمعنى أن قوم الفرزدق لن يحرزوا المكرمات.
(5) يشرق ويثور: يغص من الألم ويهيج إلى هجاء ذي الرمة.
(6) منتحل: منسوب إلى غير صاحبه. يريد ان يقول ان شعر ذي الرمّة سبقه إليه جرير حيث يقول:
وما زال معقولا عقال عن الندى ... وما زال محبوسا عن المجد حابس
وهكذا سميت المقامة بالغيلانية لأن الحديث يدور فيها حول الشاعر الأموي غيلان بن عقبة الملقب بذي الرمة، ولا أثر فيها لأبي الفتح الإسكندري.