المحراب، فقرأ فاتحة الكتاب، بقراءة حمزة، [1] مدّة وهمزة، وبي الغمّ المقيم المقعد في فوت القافلة، والبعد عن الرّاحلة، وأتبع الفاتحة الواقعة، وأنا أتصلّى [2] نار الصّبر وأتصلّب [3] ، وأتقلّى [4] على جمر الغيظ وأتقلّب، وليس إلّا السّكوت والصّبر، أو الكلام والقبر لما عرفت من خشونة القوم في ذلك المقام، أن لو قطعت الصّلاة دون السّلام، فوقفت بقدم الضّرورة، على تلك الصّورة إلى انتهاء السّورة، وقد قنطت من القافلة، وأيست من الرّحل والرّاحلة، ثمّ حنى قوسه للرّكوع، بنوع من الخشوع، وضرب من الخضوع، لم أعهده من قبل، ثمّ رفع رأسه ويده، وقال: سمع الله لمن حمده، وقام، حتّى ما شككت أنّه قد نام، ثمّ ضرب بيمينه، وأكبّ لجبينه، ثمّ انكبّ لوجهه، ورفعت رأسي أنتهز فرصة، فلم أر بين الصّفوف فرجة، فعدت إلي السّجود، حتّى كبّر للقعود، وقام إلى الرّكعة الثّانية، فقرأ الفاتحة والقارعة، قراءة استوفى بها عمر السّاعة، واستنزف أرواح الجماعة، فلمّا فرغ من ركعتيه، وأقبل على التّشهّد بلحييه، ومال إلى التّحيّة بأخدعيه، وقلت: قد سهّل الله المخرج، وقرّب الفرج، قام رجل وقال: من كان منكم يحبّ الصّحابة والجماعة، فليعرني سمعه ساعة.
قال عيسى بن هشام: فلزمت أرضي، صيانة لعرضي، فقال:
حقيق عليّ أن لا أقول غير الحقّ، ولا أشهد إلّا بالصّدق، قد جئتكم
(1) حمزة: أحد القراء.
(2) اتصلى: اصطلى، تعرض للنار.
(3) اتصلب: أتقوى وأتشدد وأصبر.
(4) أتقلى: أنضج في المقلى.