فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 210

ببشارة من نبيكم، لكنّي لا أؤدّيها حتّى يطهّر الله هذا المسجد من كلّ نذل يجحد نبوءته.

قال عيسى بن هشام: فربطني بالقيود، وشدّني بالحبال السّود [1] ، ثمّ قال: رأيته صلّى الله عليه وسلّم في المنام، كالشّمس تحت الغمام، والبدر ليل التّمام، يسير والنّجوم تتبعه، ويسحب الذّيل والملائكة ترفعه، ثمّ علّمني دعاء أوصاني أن أعلّم ذلك أمّته، فكتبته على هذه الأوراق بخلوق ومسك، وزعفران وسك [2] ، فمن استوهبه منّي وهبته، ومن ردّ عليّ ثمن القرطاس أخذته.

قال عيسى بن هشام: فلقد انثالت عليه الدّراهم حتّى حيّرته، وخرج فتبعته متعجّبا من حذقه بزرقه [3] ، وتمحّل رزقه، وهممت بمسألته عن حاله فأمسكت، وبمكالمته فسكتّ، وتأمّلت فصاحته في وقاحته، وملاحته في استماحته [4] ، وربطه النّاس بحيلته، وأخذه المال بوسيلته، ونظرت فإذا هو أبو الفتح الإسكندريّ، فقلت: كيف اهتديت إلى هذه الحيلة؟ فتبسّم وأنشأ يقول:

النّاس حمر فجوّز ... وابرز عليهم وبرّز [5]

حتّى إذا نلت منهم ... ما تشتهيه ففروز [6]

(1) الحبال السود: السلاسل الحديدية. يريد أنه أجبر على البقاء.

(2) الخلوق والخلاق: نوع اصطناعي من الطيب. وكذلك السك.

(3) الزرق: رمي الصياد صيده بالمزراق، وأراد هنا حيلة في اصطياد دراهم الناس.

(4) الاستماحة: طلب العطاء.

(5) جوز: قاد.

(6) فروز: مات. يريد ان يقول أن الناس أغبياء كالحمير، فقدهم حيث تشاء وأظهر عليهم وانبه بينهم، وإذا نلت منهم بغيتك فارقهم ولو بالموت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت