فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 210

الضّرّ إلّا من لا يأمن مثله، يا أصحاب الجدود [1] المفروزة، والأردية المطروزة، والدّور المنجّدة، والقصور المشيّدة، إنّكم لن تأمنوا حادثا، ولن تعدموا وارثا، فبادروا الخير ما أمكن، وأحسنوا مع الدّهر ما أحسن، فقد والله طعمنا السّكباج، وركبنا الهملاج، ولبسنا الدّيباج، وافترشنا الحشايا، بالعشايا [2] ، فما راعنا إلّا هبوب الدّهر بغدره، وانقلاب المجنّ لظهره، فعاد الهملاج قطوفا [3] ، وانقلب الدّيباج صوفا، وهلمّ جرّا إلى ما تشاهدون من حالي وزيّي، فها نحن نرتضع من الدّهر ثدي عقيم، ونركب من الفقر ظهر بهيم، فلا نرنو إلّا بعين اليتيم، ولا نمدّ إلّا يد العديم، فهل من كريم يجلو غياهب هذه البؤوس، ويفلّ شبا هذه النّحوس؟ [4] ثمّ قعد مرتفقا [5] وقال للطّفل: أنت وشأنك، فقال: ما عسى أن أقول وهذا الكلام لو لقي الشّعر لحلقه، أو الصّخر لفلقه، وإنّ قلبا لم ينضجه ما قلت لنيّء، وقد سمعتم يا قوم، ما لم تسمعوا قبل اليوم، فليشغل كلّ منكم بالجود يده، وليذكر غده، واقيا بي ولده، واذكروني أذكركم، وأعطوني أشكركم.

قال عيسى بن هشام: فما آنسني في وحدتي إلّا خاتم ختّمت به خنصره، فلمّا تناوله أنشأ يصف الخاتم على الإصبع، وجعل يقول:

(1) الجدود: الحظوظ.

(2) السكباج: اللحم يطبخ بالخل. الهملاج: الدابة السريعة. الديباج: الحرير.

الحشايا: جمع حشية وهي الوسادة.

(3) القطوف: الدابة البطيئة في سيرها.

(4) شبا: جمع شباة وهي سن الرمح، أو هي حد الشيء.

(5) مرتفعا: مستندا إلى مرفقيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت