الخوان مكانها، ومن القلوب أوطانها، قام أبو الفتح الإسكندريّ يلعنها وصاحبها، ويمقتها وآكلها، ويثلبها وطابخها، وظننّاه يمزح فإذا الأمر بالضّدّ، وإذا المزاح عين الجدّ، وتنحّى عن الخوان، وترك مساعدة الإخوان، ورفعناها فارتفعت معها القلوب، وسافرت خلفها العيون، وتحلّبت [1] لها الأفواه، وتلمّظت لها الشّفاه [2] ، واتّقدت لها الأكباد، ومضى في إثرها الفؤاد، ولكنّا ساعدناه على هجرها، وسألناه عن أمرها، فقال: قصّتي معها أطول من مصيبتي فيها، ولو حدّثتكم بها لم آمن المقت، وإضاعة الوقت، قلنا: هات، قال: دعاني بعض التّجّار إلى مضيرة وأنا ببغداد، ولزمني ملازمة الغريم، والكلب لأصحاب الرّقيم [3] ، إلى أن أجبته إليها، وقمنا فجعل طول الطّريق يثني على زوجته، ويفدّيها بمهجته، ويصف حذقها في صنعتها، وتأنّقها في طبخها ويقول: يا مولاي لو رأيتها، والخرقة في وسطها، وهي تدور في الدّور، من التّنّور إلى القدور ومن القدور إلى التّنّور [4] ، تنفث بفيها النّار، وتدقّ بيديها الأبزار [5] ، ولو رأيت الدّخان وقد غبّر في ذلك الوجه الجميل، وأثّر في ذلك الخدّ الصّقيل، لرأيت منظرا تحار فيه العيون، وأنا أعشقها لأنّها تعشقني، ومن سعادة المرء، أن يرزق المساعدة من حليلته، وأن يسعد بظعينته [6] ، ولا
(1) تحلبت لها الأفواه: سال لعابها.
(2) تلمظت لها الشفاه: لحس اللسان ما على الشفتين من آثار الطعام.
(3) أصحاب الرقيم: أصحاب الكهف الذين ورد ذكرهم في القرآن.
(4) التنور: الفرن، ما يخبز فيه الخبز.
(5) الأبزار: جمع بزر، ما يوضع على الطعام كالفلفل والقرنفل وسائر التوابل.
(6) الظعينة: المرأة.