قال بهذا من التابعين سعيد بن المسيب ومجاهد والضحاك وهو قول إبراهيم النخعي وعمر بن عبد العزيز فأما الرواية الأخرى عن ابن عباس فان ذلك على قدر جناياتهم فقد ذكرنا أنها من رواية الحجاج عن عطية عن ابن عباس في قوله تعالى {إِنَّمََا جَزََاءُ الَّذِينَ يُحََارِبُونَ اللََّهَ وَرَسُولَهُ} الآية قال إذا خرج وأظهر السلاح وقتل قتل وإن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله وإن أخذ المال وقتل قتل ثم صلب وهذا قول قتادة وعطاء الخراساني وزعم اسماعيل بن إسحاق أنه لم يصح إلا عنهما يعني من المتقدمين لأن الرواية عن ابن عباس ضعيفة عنده وعند أهل الحديث قال الأوزاعي إذا خرج وقتل قتل وإن أخذ المال وقتل صلب وقتل مصلوبا وإن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله وقال الليث بن سعد إذا أخذ المال وقتل صلب وقتل بالحربة مصلوبا وقال أبو يوسف إذا أخذ المال وقتل صلب وقتل على الخشبة وقال أبو حنيفة إذا قتل قتل وإذا أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف وإذا أخذ المال وقتل فالسلطان مخير فيه إن شاء قطع يده ورجله وقتله وإن شاء لم يقطع يده ورجله وقتله وصلبه قال أبو يوسف القتل يأتي على كل شيء وقال الشافعي إذا أخذ المال قطعت يده اليمنى وحسمت ثم قطعت رجله اليسرى وحسمت وخلي واذا قتل قتل وصلب وروي عنه أيضا قال يصلب ثلاثة أيام قال وان حصر وكبر وهيّب فكان ردأ للعدوّ عزر وحبس [قال أبو جعفر] اختلف الذين قالوا بالترتيب واختلف عن بعضهم حتى وقع في ذلك اضطراب كثير فممن اختلف عنه ابن عباس كما ذكرناه والحسن وروي عنه التخيير والترتيب وأنه قال إذا خرج وقتل قتل وإن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله ونفي وإن أخذ المال وقتل قتل وقال أحمد بن محمد بن حنبل إن قتل قتل وإن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله وقال قوم لا ينبغي أن يصلب قبل القتل فيحال بينه وبين الصلاة والأكل والشرب وحكي عن الشافعي أكره أن يقتل مصلوبا لنهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن المثلة وقال أبو ثور الإمام مخير على ظاهر الآية واحتج غيره بأن الذين قالوا بالتخيير معهم ظاهر الآية وإن الذين قالوا بالترتيب وإن اختلفوا فانك تجد في أقوالهم إنهم مجمعون عليه في حدين فيقولون يقتل ويصلب ويقول بعضهم يصلب ويقتل ويقول بعضهم تقطع يده ورجله وينفى وليس كذا الآية وليس كذا مقتضى معنى أو في اللغة فأما المعنى أو ينفوا من الارض ففيه أقوال منها عن ابن عباس ما ذكرناه أنهم يهربون حتى يخرجوا من دار الإسلام إلى دار الشرك وهذا أيضا محكي معناه عن الشافعي أنهم يخرجون من بلد الى بلد ويحاربون وكذا قال الزهري ومحمد بن مسلّم وقال سعيد بن جبير ينفوا من بلد الى بلد وكلما أقاموا في بلد نفوا عنه وقال الشعبي ينفيه السلطان الذي أحدث فيه في عمله عن
عمله وقال مالك بن أنس ينفى من البلد الذي أحدث فيه هذا إلى غيره ويحبس فيه ويحتج لمالك بأن الزاني كذا ينفى وقال الكوفيون لما قال الله جل ثناؤه {أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ}
وقد علم أنه لا بد أن يستقروا في الأرض لم يكن شيء أولى بهم من الحبس لأنه إذا حبس فقد نفي من الأرض إلا من موضع استقراره واختلف العلماء أيضا في الآية السادسة
فمنهم من قال أنها منسوخة ومنهم من قال هي محكمة.
قال الله تعالى {فَإِنْ جََاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [1] من العلماء من قال الآية محكمة والإمام مخير إذا تحاكم إليه أهل الكتاب إن شاء حكم بينهم وإن شاء أعرض عنهم وردهم إلى أحكامهم وهذا قول الشعبي وإبراهيم النخعي كما قرأ عليّ أحمد بن محمد بن حجاج عن يحيى بن سليمان قال حدثنا وكيع قال حدثنا سفيان عن المغيرة عن إبراهيم وعامر الشعبي في قول الله تعالى {فَإِنْ جََاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} قال إن شاء حكم وإن لم يشأ لم يحكم وقال بهذا من الفقهاء عطاء بن أبي رباح ومالك بن أنس ومن العلماء من قال إذا تحاكم أهل الكتاب إلى الإمام فعليه أن يحكم بينهم بكتاب الله تعالى وبسنة نبيه صلّى الله عليه وسلّم ولا يحل أن يردهم إلى أحكامهم وقائلو هذا القول يقولون الآية منسوخة لأنها إنما نزلت أول ما قدم النبي صلّى الله عليه وسلّم المدينة واليهود فيها كثير فكان الأدعى لهم والأصلح أن يردوا إلى أحكامهم فلما قوي الإسلام أنزل الله {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمََا أَنْزَلَ اللََّهُ} [2] فممن قال بهذا القول من الصحابة ابن عباس وجماعة من التابعين والفقهاء
[قال أبو جعفر] كما حدثنا علي بن الحسين قال حدثنا الحسن بن محمد قال حدثنا سعيد بن سليمان قال حدثنا عباد عن سفيان عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس قال
نسخت من هذه السورة يعني المائدة آيتان آية القلائد وقوله {فَإِنْ جََاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} فكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مخيرا إن شاء حكم وإن شاء أعرض عنهم فردهم إلى أحكامهم فنزلت {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمََا أَنْزَلَ اللََّهُ} فأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يحكم بينهم بما في كتابنا وهذا إسناد مستقيم وأهل الحديث يدخلونه في المسند وهو مع هذا قول جماعة من العلماء كما قرأ عليّ عبد الله بن الصقر عن زياد بن أيوب قال حدثنا هشيم قال حدثنا أصحابنا منصور وغيره عن الحكم عن مجاهد في قوله تعالى
(1) سورة: المائدة، الآية: 42
(2) سورة: المائدة، الآية: 49