وليس احدى الآيتين رافعة للأخرى فيقع النسخ لأن قوله تعالى {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلََّا يُقِيمََا حُدُودَ اللََّهِ فَلََا جُنََاحَ عَلَيْهِمََا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} ليس بمزال لأنهما إذا خافا هذا لم يدخل الزوج في وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج لأن هذا للرجال خاصة ومن الشذوذ في هذا ما روي عن سعيد بن جبير ومحمد بن سيرين والحسن أنهم قالوا لا يجوز الخلع الا بأمر السلطان قال شعبة قلت لقتادة عمن أخذ الحسن الخلع الى السلطان قال عن زياد [قال أبو جعفر] وهو صحيح معروف عن زياد ولا معنى لهذا القول لأن الرجل اذا خالع امرأته فإنما هو على ما يتراضيان به ولا يجوز أن يجبره السلطان على ذلك ولا معنى لقول من قال هو إلى السلطان ومع هذا فقول الصحابة وأكثر التابعين ان الخلع جائز من غير إذن السلطان فممن قال ذلك عمر وعثمان وابن عمر رضي الله تعالى عنهم كما حدثنا محمد بن زيان قال حدثنا محمد بن رمح قال أخبرني الليث عن نافع أنه سمع الربيع ابنة معوّذ بن عفراء تخبر عبد الله بن عمر أنها اختلعت من زوجها في عهد عثمان فجاء عمها معاذ بن عفراء إلى عثمان فقال إن ابنة معوذ اختلعت من زوجها أفتنتقل فقال عثمان رضي الله عنه لتنتقل ولا ميراث بينهما ولا عدة عليهما ولكن لا تنكح حتى تحيض حيضة خشية أن يكون بها حمل
فقال ابن عمر عثمان خيرنا وأعلمنا رضي الله عنهما [قال أبو جعفر] وفي حديث أيوب وعبد الله عن نافع عن ابن عمر عن عثمان أجاز الخلع على خلاف ما قال زياد وجعله طلاقا على خلاف ما يقول أبو حنيفة وأصحابه ان الخلع لا يجوز بأكثر مما ساق إليها من الصداق وأجاز للمختلعة أن تنتقل وجعلها خلاف المطلقة ولم يجعل عليها عدة كالمطلقة وقال هذا القول اسحاق بن راهويه قال ليس على المختلعة عدة وإنما عليها الاستبراء بحيضة وهو قول ابن عباس بلا خلاف وعن ابن عمر فيه اختلاف فلما جاء عن ثلاثة من الصحابة لم يقل بغيره ولا سيما ولم يصح عن أحد من الصحابة خلافه فأما عن غيرهم فكثير قال جماعة من العلماء عدة المختلعة عدة المطلقة منهم سعيد بن المسيب وسليمان بن بشار وسالم بن عبد الله وعروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز والزهري والحسن وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري والاوزاعي ومالك وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد بن حنبل وفي حديث عثمان انه أوجب أن المختلعة أملك بنفسها لا تزوّج الا برضاها وإن كانت لم تطلق إلا واحدة وفيه انه لا نفقة لها ولا سكنى وأنهما لا يتوارثان وإن كان إنما طلقها واحدة وفيه انها لا تنكح حتى تحيض حيضة وفيه أن عبد الله بن عمر خبر أن عثمان خير وأعلم من كل من ولّي عليه
وأما حديث ابن عباس فحدثناه أحمد بن محمد الأزديّ قال حدثنا محمد بن خزيمة قال حدثنا حجاج قال حدثنا أبو عوانة عن ليث عن طاوس أن ابن عباس جمع بين رجل
وامرأته بعد ان طلقها تطليقتين وخالعها وهذا شاذ وخارج عن الإجماع والمعقول وذلك أنه اذا قال لامرأته أنت طالق إذا كان كذا فوقعت الصفة طلقت بإجماع فكيف يكون إذا أخذ منها شيئا أو طلق نصفه لم يقع فهذا محال في المعقول وطاوس وإن كان رجلا صالحا فعنده عن ابن عباس مناكير يخالف عليها ولا يقبلها أهل العلم منها أنه روى عن ابن عباس أنه قال في رجل قال لامرأته أنت طالق ثلاثا إنما تلزمه واحدة ولا يعرف هذا عن ابن عباس إلا من روايته والصحيح عنه وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنها ثلاث كما قال الله عزّ وجلّ {فَإِنْ طَلَّقَهََا فَلََا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ} (1) أي الثالثة فأما العلة التي رويت عن ابن عباس في المختلعة فإنه روي عنه أنه قال وقع الخلع بين طلاقين قال جل ثناؤه {الطَّلََاقُ مَرَّتََانِ} (2) ثم ذكر المختلعة فقال {فَإِنْ طَلَّقَهََا} (1) [قال أبو جعفر] الذي عليه أهل العلم أن قوله {الطَّلََاقُ مَرَّتََانِ فَإِمْسََاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسََانٍ} (2) كلام قائم بنفسه ثم قال {وَلََا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمََّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا} (2) فكان هذا حكما متشابها ثم قال جل ثناؤه {فَإِنْ طَلَّقَهََا} (1) فرجع الى الأول ولو كان على ما روي عن ابن عباس لم تكن المختلعة إلا من طلقت تطليقتين وهذا مما لا يقول به أحد ومثل هذا في التقديم والتأخير وامسحوا برءوسكم وأرجلكم [قال أبو جعفر] وهذا بين في النحو وفي الآية من اللغة وقد ذكره مالك أيضا فقال المختلعة التي اختلعت من كل مالها والمفتدية التي افتدت ببعض مالها والمبارئة التي أبرأت زوجها من قبل أن يدخل بها فقالت قد أبرأتك فبارئني قال وكل هذا سواء وهذا صحيح في اللغة وقد يدخل بعضه في بعض فيقال مختلعة وإن دفعت بعض مالها فيكون تقديره إنما اختلعت نفسها من زوجها وكذلك المفتدية وإن افتدت بكل مالها فأما من قال لا يجوز أن تختلع بأكثر مما يساق اليها من الصداق فشيء لا توجبه الآية لأن الله عز وجل قال {فَلََا جُنََاحَ عَلَيْهِمََا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} (2) من ذلك ولا منه فيصح ما قالوا على أن سعيد بن المسيب يروى عنه انه قال لا يجوز الخلع الا بأقل من الصداق وقال ميمون بن مهران من أخذ الصداق كله فلم يسرح بإحسان وقد أدخلت الآية الرابعة والعشرون في الناسخ والمنسوخ قال ذلك مالك بن أنس.