وهذا الحديث يرشد إلى أن البدار بالأعمال الصالحات من أسباب ثبات الإيمان وأن عدمها من عوامل الشك والتأثر بالفتن، وهذه الفتن يدخل فيها فتن الشهوات والشبهات وفتن الحروب، وأعظمها فتن الشهوات إذ هي أكثر إغراء وأقرب إلى النفوس الضعيفة، فينخدع المؤمن أول الأمر ثم يتورط فيها حتى تسوخ قدمه في الباطل ويذهب إيمانه. وطريق السلامة والنجاة أن يتباعد المؤمن عن أسباب الفتن، وأن يحذرها غاية الحذر، ويجتهد في سؤال الله الثبات على الإيمان، ويقبل على كتاب الله تاليًا ومتدبرًا للآيات الدالة على الله والإيمان به، المشتملة على الحجج العقلية والبراهين النظرية المرشدة إلى وجوده سبحانه ووحدانيته واستقلاله بتدبير الأمور كلها، واستحقاقه أن يعظم ويطاع باتباع شريعته والوقوف عند حدوده، ومتى رسخ الإيمان في القلوب وذاقت حلاوته واستنارت بأدلته صعب اقتلاعه منها، وندر رجوع صاحبه عنه واستبداله بغيره، كما قال هرقل لأبي سفيان حين سأله عن مسائل تتعلق بدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم: (هل يرتد أحد من أصحاب محمد بعد دخوله في دينه سخطة له؟ -فأجاب أبو سفيان بالسلب- فقال: هرقل وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب) ، والواقع يشهد بما قال هرقل، ولهذا لم يرو أن الرسول أنكر عليه هذا الجواب، أما التجربة العملية لهذا فقد ذكر ابن القيم في قصيدته النونية أنه وقع له شيء من الشك والقلق بسبب النظر في كتب أهل الكلام وشبهاتهم حتى أتاح الله له شيخ الإسلام ابن تيمية فأرشده إلى الآيات والأحاديث المعرفة بالله، وكمال عظمته وأسمائه واستقلاله بتدبير الأمور فاستقام إيمانه وزال عن نفسه ما ساورها من أنواع الشكوك والقلق. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
[1] سورة الروم الآية 30 .
المصدر: حول تعرض الإيمان للقلق
الشيخ عبد الله الغامدي